عرض لكتاب بنية الدولة السودانية بعد 1989 : من الأدلجة إلى عسكرة الاقتصاد للأستاذ.. ضياء الدين محمد أحمد

كتب: حسين سعد
صدر مؤخرًا كتاب “بنية الدولة السودانية بعد 1989: من الأدلجة إلى عسكرة الاقتصاد” للكاتب والباحث الاستاذ ضياء الدين محمد أحمد، في محاولة فكرية جادة لتفكيك الأزمة السودانية من جذورها البنيوية، بعيدًا عن القراءات السياسية التقليدية التي تختزل المأزق السوداني في تعاقب الحكومات أو الصراع بين المدنيين والعسكريين.
ويقع الكتاب في عشرة فصول مترابطة، تتناول تاريخ تشكل الدولة السودانية منذ الحقبة الاستعمارية، مرورًا بمرحلة ما بعد الاستقلال، وصولًا إلى التحولات البنيوية التي أعقبت انقلاب عام انقلاب 30 يونيو 1989، وما نتج عنها من انتقال الدولة من فضاء الأدلجة السياسية إلى هيمنة المؤسسة العسكرية والأمنية على الاقتصاد ومراكز القرار.
منذ الصفحات الأولى، يطرح المؤلف سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره لكنه بالغ التعقيد في جوهره: كيف تشكلت الدولة السودانية؟ ولماذا تعثرت مشاريع الديمقراطية والتنمية بصورة متكررة؟ ولماذا ظل العنف ملازمًا لتاريخ السلطة في السودان؟
لا يتعامل الكتاب مع أزمة السودان بوصفها مجرد أزمة حكم أو تعثر انتقال سياسي، بل ينطلق من فرضية أكثر عمقًا، مفادها أن الأزمة الحقيقية تكمن في “بنية الدولة” نفسها؛ أي في الكيفية التي تشكلت بها مؤسسات السلطة، وطبيعة علاقتها بالمجتمع والاقتصاد والقوة المسلحة.
ويستعرض المؤلف في الفصول الأولى نشأة الدولة السودانية الحديثة تحت الحكم الاستعماري البريطاني، موضحًا أن الدولة لم تنشأ كتعبير عن عقد اجتماعي داخلي، وإنما تأسست أساسًا كجهاز إداري هدفه إدارة الموارد وربط السودان بالاقتصاد العالمي كمصدر للمواد الخام، خاصة عبر مشروع الجزيرة. ووفقًا لهذا التحليل، ورث السودان بعد الاستقلال جهازًا إداريًا منظمًا، لكنه ضعيف الجذور الاجتماعية، الأمر الذي أسهم في استمرار هشاشة الشرعية السياسية.
ويتوقف الكتاب عند مرحلة ما بعد الاستقلال في عام استقلال السودان، حيث يوضح أن النخب السياسية ورثت مؤسسات الدولة دون أن تنجح في إعادة تأسيسها على أسس وطنية مستقلة، وظلت البنية الاقتصادية مرتبطة بمنطق التبعية للسوق العالمي، بينما هيمنت الطائفية والتحالفات التقليدية على المجال السياسي.
ومن أبرز محاور الكتاب، تحليله لدور المؤسسة العسكرية في التاريخ السياسي السوداني. إذ يرى المؤلف أن الجيش لم يظهر كفاعل سياسي فجأة، بل تشكل تاريخيًا داخل بنية الدولة نفسها، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى لاعب رئيسي يرى نفسه وصيًا على الدولة خلال لحظات الأزمات، وهو ما يفسر سلسلة الانقلابات التي عرفها السودان منذ انقلاب 17 نوفمبر 1958.
لكن نقطة الارتكاز الأساسية في الكتاب تتمثل في قراءة مرحلة ما بعد 1989، حيث يذهب الكاتب إلى أن ذلك التحول لم يكن مجرد استيلاء على السلطة، بل عملية “إعادة تأسيس للدولة” على قاعدة أمنية–اقتصادية جديدة. ففي هذه المرحلة، لم تعد المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية أدوات لحماية الدولة فقط، وإنما أصبحت جزءًا مباشرًا من إنتاج الثروة وإدارة الاقتصاد.
ويستخدم المؤلف مفهوم “عسكرة الاقتصاد” لشرح هذا التحول، موضحًا أن الاقتصاد السوداني انتقل تدريجيًا من إدارة مدنية ومؤسساتية إلى شبكة مغلقة من الامتيازات المرتبطة بالقوة المسلحة، ما أسهم في صعود اقتصاد الحرب، والشركات الأمنية، والرأسمالية الطفيلية.
كما يتناول الكتاب تأثير سياسات السوق الحر وبرامج المؤسسات المالية الدولية على الاقتصاد السوداني، ويرى أنها ساهمت في تعميق التفاوت الاجتماعي، وإضعاف القطاعات الإنتاجية التقليدية، وتعزيز نمط الدولة الريعية التابعة.
ولا يغفل المؤلف دور النخب السياسية والمدنية في إعادة إنتاج الأزمة، إذ يحمّلها جزءًا من مسؤولية فشل مشاريع التحول الديمقراطي، بسبب عجزها عن بناء مشروع وطني قادر على تفكيك البنية العميقة للدولة.
وتزداد أهمية الكتاب في ظل الحرب التي يشهدها السودان منذ الحرب السودانية، إذ يقدم تفسيرًا يعتبر ما يجري اليوم امتدادًا مباشرًا لبنية الدولة التي تشكلت خلال العقود الماضية، لا مجرد صراع عسكري عابر. فالحرب، بحسب هذا التحليل، ليست انفجارًا طارئًا، بل نتيجة تاريخية لاندماج الاقتصاد بالعنف داخل مؤسسات الدولة.
من الناحية المنهجية، يستند الكتاب إلى أدوات تحليلية من الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي، مستفيدًا من أعمال مفكرين مثل سمير أمين وإيمانويل والرشتاين وتشارلز تيلي، لكنه ينجح في توطين هذه المفاهيم داخل الحالة السودانية، ما يمنحه قيمة بحثية وأكاديمية خاصة.
ورغم كثافة الطرح النظري، وما قد يراه بعض القراء من ميل إلى التفسير البنيوي الشامل على حساب التفاصيل الحدثية، إلا أن الكتاب يظل مساهمة فكرية لافتة في فهم واحدة من أكثر أزمات الدولة تعقيدًا في أفريقيا.
في المحصلة، لا يقدم كتاب “بنية الدولة السودانية بعد 1989” إجابات سهلة، بقدر ما يعيد طرح السؤال المؤسس: ما هي الدولة السودانية؟ ومن يملك حق تعريفها؟ وكيف يمكن إعادة بنائها على أسس مدنية عادلة؟
إنه كتاب لا يقرأ فقط لفهم الماضي، بل لفهم السودان كما يتشكل اليوم، وربما كما سيعاد تشكيله غدًا.




