مقالات

عبدالله موسي يكتب : سلامٌ بلا عدالة هل أعادت الحركة الشعبية إنتاج مأساة السودان؟

الذكرة الثالثة والاربعين للحركة الشعبية

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

سلامٌ بلا عدالة هل أعادت الحركة الشعبية إنتاج مأساة السودان؟


في الذكرى الثالثة والأربعين للحركة الشعبية لتحرير السودان
بين صمت الماضي وأسئلة حرب 15 أبريل 2023
لم يكن تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983 مجرد ميلاد حركة مسلحة جديدة في السودان انها كانت إعلاناً سياسياً وفكرياً عن مشروع أراد إعادة تعريف الدولة السودانية حينها. نادت الحركة منذ أيامها الأولى بشعارات السودان الجديد وبشّرت بدولة المواطنة والعدالة والمساواة وقدّمت نفسها بوصفها صوت المهمشين والمحرومين من السلطة والثروة في أطراف البلاد المختلفة.


لكن بعد ثلاثة وأربعين عاماً من التأسيس يعود سؤال القاسى والثقيل إلى الواجهة هو أكثر إيلاماً من أي وقت مضى لماذا صمت الآباء المؤسسون عن العدالة الجنائية وحقوق الضحايا بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل؟ وكيف تحوّل مشروع الثورة والعدالة إلى تسوية سياسية تجاوزت دماء أكثر من مليوني قتيل وملايين النازحين وضحايا الحرب الأهلية الطويلة؟
إنّ هذا السؤال لا يتعلق بالماضي وحده لكنه يفرض نفسه بقوة على حاضر السودان ومستقبله خصوصاً مع الحرب المشتعلة منذ حرب 15 أبريل 2023 في السودان وما خلّفته من مجازر وانتهاكات وانهيار إنساني غير مسبوق.


حينما وقّعت الحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاق السلام مع المؤتمر الوطني كانت الأولوية السياسية آنذاك هي إيقاف الحرب بأي ثمن. ولذلك انصبّ التركيز على تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية والوحد الجاذب وحق تقرير المصير لجنوب السودان بينما جرى تأجيل ملف العدالة الجنائية بالكامل.


ولم تُنشأ محاكم خاصة ولم تُفتح ملفات الانتهاكات الكبرى ولم تُصمم آليات واضحة لجبر الضرر أو تعويض الضحايا أو حتى الاعتراف الرسمي بحجم المأساة الإنسانية التي عاشها السودانيون لعقود من زمن الحرب.


كان هناك خوف حقيقي من أن تؤدي المطالبة بالمحاسبة إلى انهيار المفاوضات خاصة وأن الحرب لم تكن نظيفة من أي طرف. فكما وُجهت اتهامات واسعة للنظام الحاكم بارتكاب جرائم وانتهاكات وُجهت كذلك انتقادات لبعض فصائل الحركة الشعبية بسبب تجاوزات حدثت خلال سنوات النزاع الممتد.
وهكذا انتصرت ضرورات التسوية على استحقاقات العدالة وتمّ ترحيل ملف الضحايا إلى مستقبل غامض لم يأتِ حتى اليوم.


أحد أكبر أوجه القصور في اتفاقية السلام الشامل أنّها كانت اتفاقاً بين النخب السياسية والعسكرية أكثر من كونها مشروع مصالحة وطنية حقيقية. فالضحايا أنفسهم كانوا خارج طاولة التفاوض.


لم تُمنح الأرامل فرصة الحديث عن فقدانهن ولم تُستمع شهادات الناجين من المجازر ولم تُفتح المساحات أمام المجتمعات التي أُحرقت قراها وشُردت لعقود. ولذلك بدا السلام وكأنه تسوية بين القادة لا عقداً اجتماعياً جديداً بين الشعوب المنهكة بالحرب.


وهنا تكمن المعضلة الكبرى فالدول التي تؤجل العدالة باسم الاستقرار غالباً ما تؤسس لحروب جديدة أكثر تعقيداً وعنفاً.
وبعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان تبدو أسئلة الماضي أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فالسودان يعيش مرة أخرى دوامة القتل الجماعي والانتهاكات والنزوح بينما تتكرر لغة التسويات السياسية ذاتها التي تتحدث عن وقف إطلاق النار وتقاسم السلطة دون وضع العدالة والمحاسبة في قلب أي مشروع سلام قادم.


إنّ أخطر ما يمكن أن يتكرر في السودان اليوم هو إعادة إنتاج تجربة ما بعد نيفاشا: سلام سياسي هشّ يتجاوز حقوق الضحايا ويؤجل المحاسبة ويُبقي جذور الأزمة قائمة تحت السطح.


فما يحدث منذ أبريل 2023 ليس مجرد صراع عسكري عابر لكنه انهيار عميق لفكرة الدولة بمفهومها واصبح الانكشاف كامل لأزمة الإفلات من العقاب التي تراكمت عبر عقود طويلة من الحروب والانقلابات والتسويات غير المكتملة.


لقد أثبت التاريخ السوداني أن تجاهل العدالة لا يصنع سلاماً دائماً بل يصنع هدناً مؤقتة تنفجر لاحقاً بصورة أكثر دموية.
تجارب العالم من جنوب أفريقيا إلى رواندا تؤكد أن السلام الحقيقي لا يُبنى فقط عبر توقيع الاتفاقيات لكنه عبر الاعتراف بالضحايا وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم مهما كانت مواقعهم السياسية أو العسكرية.


فالعدالة الانتقالية ليست عملاً انتقامياً هو شرط أساسي لمنع تكرار المأساة. كما أنّ إنصاف الضحايا لا يهدد السلام لكنه يمنحه شرعية أخلاقية ومجتمعية طويلة الأمد.


ولهذا فإن أي تسوية سياسية قادمة في السودان بعد حرب 15 أبريل ستكون مهددة بالفشل إذا أعادت إنتاج المعادلة القديمة السلام أولاً والعدالة لاحقاً”.


في الذكرى الثالثة والأربعين لـ الحركة الشعبية لتحرير السودان لا يبدو النقاش حول العدالة الجنائية مجرد مراجعة تاريخية للماضي لكنها تحذيراً مباشراً للمستقبل. فالسودان يقف اليوم أمام لحظة مشابهة لما حدث بعد نيفاشا لكن بكلفة إنسانية ربما تكون أكبر وأكثر تعقيداً.


إنّ السلام الذي يتجاوز دماء الضحايا قد يوقف الحرب مؤقتاً لكنه لا يوقف أسبابها. أما السلام الذي يقوم على الحقيقة والمحاسبة والإنصاف فهو وحده القادر على بناء دولة لا تعيش على ذاكرة مثقوبة بالصمت والخوف والإفلات من العقاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى