مقالات

تقارب واشنطن واديس القرن الإفريقي هل تتحول أديس أبابا إلى قلب الصراع الدولي على البحر الأحمر؟؟

تقارب واشنطن واديس
القرن الإفريقي هل تتحول أديس أبابا إلى قلب الصراع الدولي على البحر الأحمر؟؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد

لم يعد القرن الإفريقي مجرد هامش جغرافي ملتهب بالأزمات التقليدية لكنة أصبح اليوم أحد أخطر ميادين إعادة تشكيل النفوذ الدولي في العالم. فبين التقارب الإثيوبي الأمريكي والتوتر المتصاعد بين الخرطوم وأديس أبابا والتحولات الأمنية التي فرضتها الحرب الإيرانية الإسرائيلية يتشكل مشهد جديد تتداخل فيه السياسة بالحرب والجغرافيا بالمصالح فى البحر الأحمر بصراع القوى الكبرى.


ما يجري اليوم لم يعد مجرد تنافس إقليمي محدود اذ ان صراع مفتوح على مستقبل الممرات البحرية الدولية وعلى من يمتلك مفاتيح التحكم في واحدة من أهم البوابات الاستراتيجية في العالم.

في تقديرنا لم يعد ممكنًا قراءة ما يحدث في القرن الإفريقي باعتباره سلسلة أزمات منفصلة فالتقارب الإثيوبي الأمريكي والتوتر الحاد بين الخرطوم وأديس أبابا وصولًا إلى طرد السفير السوداني من العاصمة الإثيوبية وتصاعد الاهتمام الأمريكي بأمن البحر الأحمر كلها حلقات داخل مشهد استراتيجي واحد تُعاد صياغته تحت ضغط الحرب الإيرانية الإسرائيلية وتداعياتها على الممرات البحرية الدولية.


من يتابع حركة السياسة الأمريكية في المنطقة خلال العامين الأخيرين يلاحظ أن واشنطن عادت إلى القرن الإفريقي ليس بدافع الاهتمام الإفريقي التقليدي لكنها من بوابة الأمن البحري العالمي. فالبوابة الجنوبية للبحر الأحمر الممتدة من باب المندب حتى السواحل الإريترية والصومالية أصبحت تمثل اليوم أحد أخطر مفاصل الأمن الدولي وخصوصًا مع تصاعد التهديدات المرتبطة بإيران وأذرعها المسلحة في المنطقة.


الحرب الإيرانية الإسرائيلية لم تبقَ محصورة في حدود الشرق الأوسط كما كان السابق انها تمددت جيوسياسيًا نحو البحر الأحمر. ومع كل تصعيد بين طهران وتل أبيب ترتفع أهمية القرن الإفريقي باعتباره الضفة المقابلة للممرات البحرية. وهنا تحديدًا تتحرك الولايات المتحدة بثقل أكبر ليس فقط لحماية الملاحة الدولية لمنع تحول البحر الأحمر إلى مساحة نفوذ إيراني ممتد عبر الحوثيين وشبكات نفوذها الإقليمية.


في هذا الإطار تبدو إثيوبيا بالنسبة لواشنطن شريكًا لا يمكن تجاهله. فرغم الخلافات السابقة حول حرب تيغراي وملفات حقوق الإنسان تدرك الإدارة الأمريكية أن أديس أبابا تظل الدولة الأكثر تأثيرًا في معادلات القرن الإفريقي. فهي تمتلك الكثافة السكانية الأكبر والجيش الأكثر خبرة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها لاعبًا أساسيًا في أي ترتيبات تخص البحر الأحمر والإقليم بأكمله.


ومن هنا جاء التقارب الإثيوبي الأمريكي بوصفه تقارب ضرورة أكثر من كونه تحالفًا كاملاً. فواشنطن بحاجة إلى شريك إقليمي قادر على ضبط التوازنات الهشة وبينما تسعى إثيوبيا لاستثمار اللحظة الدولية من أجل كسر عزلتها الإقليمية وتعزيز مشروعها الاستراتيجي المرتبط بالنفوذ البحري.


أما السودان فيقف اليوم داخل أكثر لحظاته هشاشة منذ عقود. فالحرب الداخلية المستمرة لم تستنزف الدولة السودانية فحسب لكنها أعادت رسم موقع السودان داخل معادلات البحر الأحمر الجديدة. ولهذا فإن التوتر مع إثيوبيا لم يعد مجرد خلاف حدودي أو دبلوماسي بل بات انعكاسًا لصراع أوسع على النفوذ الإقليمي في ظل إعادة توزيع الأدوار الدولية.


قرار طرد السفير السوداني من أديس أبابا لا يمكن فصله عن هذا المناخ المتوتر. فهو رسالة سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية وتعكس حجم التباعد بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل الإقليم. الخرطوم تنظر إلى التحركات الإثيوبية بقلق متزايد خاصة مع شعورها بأن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة بدأ يتعامل مع إثيوبيا باعتبارها مركز الثقل الإقليمي الجديد في وقت يتراجع فيه الدور السوداني بفعل الانقسام والحرب.


الأخطر في المشهد أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري بل تحول إلى عقدة أمنية عالمية تربط الخليج بشرق إفريقيا والمتوسط والهند والمحيط الهادئ. ولذلك فإن أي اضطراب في السودان أو إثيوبيا أو اليمن لم يعد شأنًا محليًا انها أزمة ذات انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي والطاقة والتجارة الدولية.


ومن خلال متابعة التحركات الأمريكية الأخيرة يبدو واضحًا أن واشنطن تعمل على بناء حزام استقرار يمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي هدفه الأساسي منع تشكل فراغات أمنية قد تستغلها إيران أو التنظيمات المسلحة أو حتى القوى الدولية المنافسة مثل روسيا والصين.


لكن المفارقة أن هذا الحزام نفسه قد ينتج توترات جديدة. فالتقارب الأمريكي الإثيوبي يثير حساسيات سودانية وإريترية وصومالية، كما أن سعي إثيوبيا المتكرر للحصول على منفذ بحري يفتح أبواب صراعات إقليمية كامنة قد تنفجر في أي لحظة.


علية القرن الإفريقي يقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية مختلفة. مرحلة تتراجع فيها الحدود التقليدية بين أزمات الشرق الأوسط وإفريقيا وتصبح فيها الحرب في غزة أو التوتر مع إيران قادرة على إشعال ارتدادات سياسية وأمنية تمتد حتى أديس أبابا والخرطوم ومقديشو.


وفي عالم يُعاد تشكيله على وقع الحروب والممرات البحرية لم يعد البحر الأحمر مجرد شريان للتجارة العالمية بل أصبح شريانًا لصناعة النفوذ الدولي على الارجح. ومن يراقب المشهد من بعيد قد يظن أن الصراع يدور حول الدبلوماسية والتحالفات لكن الحقيقة الأعمق أن المعركة الحقيقية تدور حول من يملك حق رسم خرائط القوة الجديدة في المنطقة الأكثر حساسية في عالمنا اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى