مقالات

الحرب السودانية وصراع النخب هل أضاع المدنيون فرصتهم لحكم فى ثورة ١٩ديسمبر

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لكن تحولت إلى اختبار وجودي لفكرة الدولة ولقدرة النخب السياسية والمدنية على إنقاذ البلاد من الانهيار. وبينما تتوسع رقعة الدمار الإنساني وتتعمق الانقسامات الاجتماعية يبرز سؤال جوهري هل فشلت القوى المدنية في قيادة مشروع وطني جامع أم أن الحرب تجاوزت الجميع وابتلعت المجال السياسي بالكامل.


ان الحرب الحالية لم تنشأ من فراغ وهى كشفت هشاشة البنية السياسية التي تشكلت بعد سقوط نظام الرئيس السوداني السابق عمر حسن أحمد البشير عام 2019. فالقوى المدنية التي قادت الحراك الشعبي ضد النظام السابق لم تتمكن خلال المرحلة الانتقالية من بناء رؤية موحدة للدولة أو الاتفاق على مشروع سياسي جامع.


وسرعان ما ظهرت الانقسامات بين التيارات الليبرالية واليسارية والقومية والإسلامية وبينما طغت حسابات المحاصصة السياسية على أولويات التأسيس الوطني. وفي المقابل ظلت المؤسسة العسكرية لاعباً رئيسياً في المشهد مستفيدة من هشاشة التوافق المدني وتضارب أجنداته.


الوثيقة الدستورية الانتقالية التي كان يُفترض أن تمهد لتحول ديمقراطي كرّست عملياً شراكة غير مستقرة بين المدنيين والعسكر. وقد اعتقدت قوى سياسية عديدة أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون ضامناً للانتقال لكن التطورات اللاحقة أثبتت أن الجيش ظل طرفاً سياسياً يمتلك مصالحه وحساباته الخاصة.


فمركزية الخرطوم وتهميش الهامش
واحدة من أبرز الإشكالات التي واجهت المشروع المدني السوداني تمثلت في استمرار مركزية النخبة السياسية داخل الخرطوم مقابل تهميش مزمن لأقاليم مثل دارفور وكردفان وشرق السودان والنيل الأزرق.


هذا الخلل التاريخي جعل قطاعات واسعة من السودانيين تنظر إلى القوى المدنية باعتبارها امتداداً للنخب التقليدية أكثر من كونها تعبيراً حقيقياً عن مطالب المجتمع بكل تنوعه الجغرافي والاجتماعي.


ومع اندلاع الحرب ظهرت هذه الفجوة بصورة أكثر وضوحاً إذ بدت الخطابات السياسية عاجزة عن ملامسة المأساة اليومية لملايين النازحين والمتضررين.


هل صمود محاولة إنقاذ أم إعادة إنتاج؟


في خضم الحرب برز تحالف صمود باعتباره محاولة لإعادة تجميع القوى المدنية المناهضة للحرب والسعي لاستعادة دور سياسي في مواجهة الاستقطاب العسكري. غير أن التحالف يواجه تحديات معقدة تتعلق بالشرعية والقدرة على التأثير.


فمنتقدو صمود يرون أنه لا يمثل قطيعة حقيقية مع التجربة السياسية السابقة بل يعيد تدوير نفس النخبة التي أدارت المرحلة الانتقالية المتعثرة. كما يواجه اتهامات بالافتقار إلى قاعدة شعبية واسعة واعتماده على خطاب سياسي نخبوي بعيد عن الواقع المعيشي للسودانيين.


إلى جانب ذلك عانت بعض القوى المدنية من خطاب ملتبس تجاه أطراف الحرب فهي تدين القتال نظرياً لكنها تُتهم عملياً بالاقتراب من هذا الطرف أو ذاك ما أضعف صورتها كقوة وطنية محايدة وقادرة على الوساطة.


وفي الحروب الأهلية لا يكفي رفع شعارات السلام دون تقديم تصور واضح لكيفية إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة وحصر السلاح في إطار مؤسسة وطنية واحدة.


ان انقسام النخب وتراجع المشروع المدني وفى الحرب كشفت أيضاً الانقسام العميق داخل المعسكر المدني نفسه. فهناك تيار يدفع نحو تسوية سياسية سريعة حتى لو أعادت إنتاج جزء من النظام القديم في حين يرى تيار آخر أن أي تسوية لا تتضمن إصلاحاً جذرياً للمؤسسة العسكرية ستقود إلى دورة جديدة من الصراع.


هذا التباين جعل الخطاب المدني يبدو مرتبكاً وغير قادر على تشكيل مركز سياسي موحد في وقت تمتلك فيه الأطراف المسلحة أدوات القوة الفعلية من مال وسلاح وشبكات نفوذ إقليمية.


ورغم ذلك لا يزال كثيرون يرون أن القوى المدنية تمثل الخيار الوحيد القادر نظرياً على الحفاظ على وحدة السودان ومنع انزلاقه نحو تفكك شامل أو حرب متعددة الجبهات.


يرى مراقبون أن أي مسار للحل يجب أن يبدأ بوقف شامل لإطلاق النار بضمانات إقليمية ودولية حقيقية بعد فشل الهدن السابقة التي تحولت إلى فترات لإعادة التموضع العسكري.


كما أن العودة إلى صيغة شراكة هشة بين المدنيين والعسكر لن تمثل حلاً مستداماً بل قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها. ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى سلطة مدنية ذات صلاحيات فعلية بالتوازي مع مشروع لإعادة بناء جيش وطني موحد وتفكيك التشكيلات المسلحة تدريجياً.


وفي السياق ذاته، تبرز أهمية توسيع التمثيل السياسي ليشمل لجان المقاومة والإدارات الأهلية والنساء والنازحين والقوى الاجتماعية في الأقاليم بدلاً من حصر القرار السياسي داخل دوائر النخبة التقليدية.


أما العدالة الانتقالية فتظل أحد أكثر الملفات حساسية إذ لا يمكن لأي تسوية أن تكتسب شرعية حقيقية دون محاسبة لكن هذه العدالة تحتاج إلى مقاربة تدريجية توازن بين متطلبات السلام والاستقرار وحقوق الضحايا.


بين التفكك وإعادة التأسيس


المشهد السوداني يقف اليوم عند مفترق طرق خطير. فالسيناريو الأسوأ يتمثل في تفكك الدولة وتعدد مراكز القوة وتحول البلاد إلى ساحة صراعات إقليمية مفتوحة. بينما يبدو السيناريو الأقرب هو استمرار حرب طويلة منخفضة الحسم تتخللها تفاهمات مؤقتة وهشّة.


أما السيناريو الأفضل فيبقى مرهوناً بقدرة القوى المدنية على تجاوز الانقسامات القديمة وبناء كتلة سياسية واجتماعية جديدة تعيد تعريف الدولة السودانية على أساس المواطنة والعدالة لا الهيمنة والسلاح.


في النهاية لم تكشف الحرب السودانية فقط أزمة الصراع بين الجنرالات لكنها كشفت أيضاً أزمة النخب السياسية والمدنية . والسؤال الذي سيحدد مستقبل السودان ليس ما إذا كانت التحالفات الحالية ستنجح أو تفشل لكن ما إذا كانت القوى المدنية قادرة على الانتقال من دائرة السجال السياسي إلى بناء مشروع وطني حقيقي يستند إلى المجتمع لا إلى التوافقات المؤقتة بين النخب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى