مقالات

عبدالله موسي : هل انهارت الدولة السودانية لأن السلاح انتصر أم لأن الفكر السياسي فشل!!

هل انهارت الدولة السودانية
لأن السلاح انتصر أم لأن الفكر سياسي فشل!!

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة


كتب : عبدالله موسى احمد

منذ الخامس عشر من أبريل 2023 لم يعد السودان مجرد ساحة حرب بين قوتين مسلحتين لكنه تحوّل إلى مختبر قاسٍ لانهيار الفكر السياسي. فالرصاص الذي مزّق الخرطوم لم يكن سوى النتيجة الأخيرة لأزمة أعمق اي أزمة وطنٍ ظل لعقود عاجزًا عن تحويل الشعارات الكبرى إلى مشروع دولة عادل ومتوازن.


لقد أثبتت الحرب أن المشكلة في السودان لم تكن يومًا نقص البرامج السياسية لكنها غياب الفكر الوطني القادر على إنتاج برنامج تخدم المجتمعات لا السلطة. فكل القوى السياسية والعسكرية رفعت شعارات الانتقال الديمقراطي وبناء دولة
العدالة والسلام وحماية السيادة
لكن عند لحظة الاختبار الحقيقي انكشف هشاشة الأساس الفكري الذي قامت عليه تلك الشعارات.
ما جرى بعد 15 أبريل لم يكن فقط انهيارًا أمنيًا بل انهيارًا كاملًا لفكرة الدولة الحديثة في السودان. فالدولة التي عجزت عن احتكار السلاح والعنف وعجزت عن حماية المدنيين وعجزت حتى عن الحفاظ بى عاصمتها فهي دولة كانت تعيش أصلًا أزمة بمعنى قبل أن تدخل أزمة حرب.


لقد تعاملت النخب السودانية طويلًا مع السياسة باعتبارها صراعًا على السلطة لا مشروعًا لبناء الوطن. ولهذا ظلت البرامج السياسية منفصلة عن الواقع الاجتماعي ومحصورة داخل غرف التفاوض والفنادق والعواصم الأجنبية وبينما تُرك المجتمع السوداني يواجه الفقر والتهميش
وانهيار الخدمات.
وعند قيام الحرب اكتشف السودانيون أن معظم الخطابات التي سمعوها طوال السنوات الماضية لم تكن سوى لغة سياسية بلا جذور اجتماعية حقيقية.
أحد أخطر أوجه الأزمة السودانية أن القوى المتصارعة ظلت تستخدم مفردات كبرى مثل الثورة والديمقراطية والكرامة الوطنية
أو حماية الدولة ولكن هذه المفاهيم لم تتحول إلى سياسات عادلة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فما معنى الحديث عن الديمقراطية بينما الأطراف التاريخية تعيش خارج التنمية وما معنى الحديث عن الدولة بينما ملايين المواطنين لا يشعرون أصلًا بوجودها إلا عبر الجبايات
والسلاح أو الإقصاء.


إن الفجوة بين الفكر والبرنامج السياسي في السودان لم تعد مسألة نظرية لكنها أصبحت سببًا مباشرًا في تفكك المجتمع .
فالمجتمعات المحلية الضحية التي لا يسمعها أحد وبعد الحرب ظهرت حقيقة ظل المركز السياسي يتجاهلها لعقود ان السودان ليس كتلة واحدة يمكن إدارتها بالعقلية القديمة .
فالمجتمعات المحلية التي دفعت ثمن الحرب في كل من دارفور والجزيرة
وكردفان والخرطوم والشرق
لم تعد تكتفي بخطابات النخب التقليدية بل هذه المجتمعات تريد
تمثيلًا حقيقيًا وعدالة في توزيع السلطة والثروة والخدمات أساسية وتحفظ الكرامة الإنسانية.
لكن الأزمة أن معظم القوى السياسية ما تزال تتعامل مع المجتمع بوصفه جمهورًا للتعبئة لا شريكًا في القرار.
وهنا يكمن جوهر فشل السودانيين
فالبرامج السياسية صيغت دائمًا من أعلى بينما تُركت القواعد الاجتماعية خارج سياق الدولة.


ان السلطة القائمة في بورتسودان ترفع شعار الحفاظ على الدولة السودانية لكن الحفاظ على الدولة لا يتحقق فقط عبر المعارك العسكرية. فالدولة ليست ثكنة لكنها تمثل عقد اجتماعي وسياسي وأخلاقي بين المواطن والسلطة.


حتى الآن تبدو الحكومة وكأنها تدير معركة بقاء أكثر مما تدير مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء السودان. فالأولوياتها ما تزال للحشد العسكري والخطاب التعبوي والتحالفات الأمنية بينما تتراجع مفاهيم العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار والإصلاح السياسي الحقيقي.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو إعادة إنتاج السودان القديم بالأدوات نفسها التي قادت إلى الانفجار.
في المقابل تطرح القوى التي تتحدث باسم السودان الجديد أو التأسيس خطابًا قائمًا على نقد المركز التاريخي وهيمنته. وهو نقد يمتلك كثيرًا من المشروعية بالنظر إلى تاريخ التهميش الطويل.


لكن أي فكرة تحررية تفقد معناها عندما تصبح رهينة للبندقية.
فالمجتمع السوداني لا يحتاج فقط إلى تغيير موازين القوة لكنه يحتاج إلى بناء مؤسسات مدنية قادرة على إنتاج سلام دائم. أما تحويل المظالم التاريخية إلى مشروع صراع مفتوح فلن يقود إلا إلى إعادة تدوير الحرب بأسماء جديدة.
وهنا تبدو المفارقة السودانية مؤلمة للغاية فالسلطة تتحدث باسم الدولة لكنها تفشل في حماية المجتمعات
والمعارضة المسلحة تتحدث باسم العدالة لكنها تتحرك بمنطق القوة.


وفي الحالتين يظل المواطن مجرد خاسر .
ان ما بعد الحرب السودان يحتاج إلى فكر جديدة للدولة.
السؤال الحقيقي بعد 15 أبريل ليس من سينتصر بل هل ما تزال هناك دولة يمكن إنقاذها أصلًا!!
لقد كشفت الحرب أن السودان بحاجة إلى مراجعة جذرية لفكره السياسي كله وعلاقة المركز بالأطراف ودور الجيش في السياسة ومعنى المواطنة
وشكل توزيع السلطة وطبيعة الهوية الوطنية.
فلا يمكن بناء سودان مستقر بعقلية
الغلبة العسكرية أو الاحتكار الحزبي
أو المركزية القديمة.
كما لا يمكن بناء وطن حديث عبر شعارات ثورية بلا مؤسسات.


والثابت عندما يفشل الفكر تشتعل حروب. فالحروب لا تبدأ فقط عندما تتواجه الجيوش لكنه تبدأ حين تعجز النخب عن إنتاج مشروع وطني يشعر الناس أنهم جزء منه.
وفي السودان ان حرب 15 أبريل إعلانًا مدويًا لفشل العلاقة بين الفكر والبرنامج السياسي إذ تحوّلت الأفكار إلى شعارات وتحولت البرامج إلى أدوات صراع وبينما انهارت الدولة فوق رؤوس مواطنيها.


السودان اليوم لا يحتاج إلى هدنة عسكرية فقط انه يحتاج إلى هدنة مع تاريخه السياسي كله ومراجعة شجاعة تعترف بأن الأزمة ليست في من يحكم السودان فحسب بل في الطريقة التي جرى بها التفكير في حكم السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم.


فالأوطان لا تُبنى بالبندقية وحدها ولا بالشعارات وحدها لكن بفكرة عادلة تتحول إلى برنامج يراه المواطن في حياته اليومية لا في خطابات الساسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى