مقالات

عبدالله موسي يكتب : بين السياسة والفكر والمجتمع

بين السياسة والفكر والمجتمع
عبدالله موسى احمد
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة

قراءة في المشهد السوداني بعد حرب 2023
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان 15ابريل 2023 مجرد صراع مسلح على السلطة بقدر ما كانت لحظة انكشاف عميق للعلاقة المتشابكة بين السياسة والفكر والمجتمع. ففي أزمنة السلم تبدو هذه المجالات وكأنها تسير في خطوط متوازية لكن في زمن الحرب تنهار الحواجز وتنكشف البنية الداخلية لكل منها ليظهر كيف يغذي كل عنصر من العناصر الآخر وكيف يمكن لانهيار أحدها أن يسحب البقية إلى دوامة الفوضى.


من الناحية السياسية شكّلت الحرب ذروة صراع طويل بين مراكز القوى داخل الدولة تجسّد بصورة واضحة في التوتر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. غير أن هذا الصراع لم يكن فقط صراع نفوذ بل كان أيضًا انعكاسًا لأزمة فكرية أعمق غياب عنها مشروع وطني جامع قادر على توحيد الرؤية حول معنى الدولة وقيمها واخلاقها وحدود السلطة وطبيعة العلاقة بين المدني والعسكري.


الفكر الذي يفترض أن يكون بوصلة المجتمع بدا في كثير من الأحيان مشتتًا بين تيارات متناقضة بين دعوات الدولة المدنية ونزعات الهيمنة العسكرية وبين إرث أيديولوجي ثقيل لم يُحسم بعد. هذا التشتت الفكري جعل الخطاب العام هشًا سريع التأثر بالشائعات وقابلًا للاستقطاب الحاد وهو ما ساهم في تعميق الأزمة بدلًا من احتوائها.


أما المجتمع السوداني فقد كان المسرح الأوسع لهذه التحولات. الحرب لم تغيّر فقط الجغرافيا السكانية عبر النزوح واللجوء الا انها أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية فى حد ذاتها. تفككت شبكات الثقة وتراجعت مؤسسات التضامن التقليدية تحت ضغط العنف والخوف وفي الوقت ذاته ظهرت مبادرات شعبية تعكس قدرة المجتمع على المقاومة والبقاء. في هذا التناقض يتجلى وجهان للمجتمع وهما هشاشته أمام الصدمات وصلابته في مواجهة الانهيار.


لقد أثّرت السياسة في المجتمع عبر قرارات الحرب والسلم لكنها في الوقت ذاته كانت أسيرة لفكر غير مكتمل. كما أن الفكر لم يعد مجرد إنتاج نخبوي لكنه أصبح ساحة صراع يومي في الشارع ووسائل التواصل حيث تتشكل الآراء بسرعة وتنتشر دون تمحيص. وهكذا دخلت العلاقة بين السياسة والفكر والمجتمع في حلقة متوترة يغذي فيها الاضطرابُ الاضطرابَ اشد.


ومع ذلك لا يمكن النظر إلى هذه اللحظة فقط بوصفها انحدارًا. فالأزمات الكبرى رغم قسوتها تفتح أيضًا إمكانات لإعادة التفكير. في السودان اليوم يبرز سؤال ملحّ هل يمكن تحويل هذا الانهيار إلى نقطة بداية وهل يستطيع الفكر أن يعيد بناء نفسه على أسس أكثر واقعية وشمولًا وهل يمكن للسياسة أن تتحرر من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة وهل ينجح المجتمع في ترميم ذاته دون أن يفقد تنوعه إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تأتي سريعًا، لكنها تبدأ بالاعتراف بأن الأزمة ليست سياسية فقط ولا فكرية فقط ولا اجتماعية فقط بل هي مزيج معقد منها جميعًا. وفي هذا الإدراك ربما يكمن الأمل الأول أن فهم التشابك هو الخطوة الأولى لفكّه وأن إعادة بناء السودان لن تكون ممكنة إلا حين يلتقي الفكر الناضج مع السياسة الرشيدة داخل مجتمع قادر على استعادة توازنه من قلب العاصفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى