عبدالله موسى يكتب : الدراما السودانية والحرب

الدراما السودانية والحرب
عبدالله موسى احمد
مركز الاستدامة للتنمية والاستدامة
في صباحٍ مثقلٍ بالحشود العسكرية ورائحة البارود اندلعت شرارة حرب السودان 2023 ولم تكن ساحاتها القتال والاقتال وحدها هي التي امتلأت بالدخان لكن امتد أثرها إلى فضاءات أكثر رهافة إلى المسرح وإلى الكاميرا وإلى أرواح أولئك الذين اعتادوا أن يحوّلوا الألم إلى حكاية.
ولم تكن الدراما السودانية يومًا مجرد ترفٍ فني بل انها كانت مرآةً للمجتمع تنقل نبضه وتوثّق تحولاته. غير أنّ هذه المرآة تشققت حين تحولت الخرطوم من مدينةٍ تضج بالحياة إلى مسرحٍ مفتوحٍ للصراع القتل والانتهاكات. هناك حيث كانت الكاميرات تُنصب لتصوير مشهدٍ عابر صار الخطر هو المشهد الدائم وصارت الحياة نفسها لقطةً غير قابلة للإعادة.
في قلب هذا التحول وجد الفنان السوداني نفسه محاصرًا بين قسوة الواقع وانطفاء الحلم. لم يعد السؤال عن كيف نُنتج عملاً دراميًا بل كيف ننجو من اهوال الحرب. انقطعت سبل العيش وتفرّقت الفرق وغادر كثيرون بيوتهم لا بحثًا عن دورٍ جديد لعرض انتاجهم بل يبحثوا عن ملاذٍ آمن. وهكذا انطفأت انوار الدراما لا لعجزٍ في الخيال لكن لضيقٍ في الحياة نفسها.
أما السلامة فقد تحولت من شرطٍ مهني إلى هاجسٍ وجودي.
لم يعد مواقع التصوير مجرد فضاءٍ للإبداع صار احتمالًا للخطر. في مدنٍ تتبدل خرائطها يوميًا تحت وطأة الاشتباكات والقتال يصبح تثبيت الكاميرا مغامرة ويغدو الوقوف أمامها فعل شجاعة. هنا تتراجع الحكاية أمام ضرورة البقاء ويتقدّم الخوف على أي نصٍ مكتوب.
ومع ذلك لم يختفِ الأداء التمثيلي وحمل الفنانون جراحهم إلى لأدوار جديدة فخرجت شخصيات أكثر صدقًا وأكثر انكسارًا. حيث لم تعد الدموع مصطنعة ولا الوجوه متكلّفة فصارت تعبيرًا حيًا عن واقعٍ يُعاش لا يُمثّل. لقد أعادت الحرب تعريف الأداء فحوّلته من محاكاةٍ للحياة إلى امتدادٍ لها.
أما المسرح والاماكن هى ذلك العنصر الخفي الذي يمنح الدراما روحها فقد استقراره. لم تعد الأزقة ولا البيوت ولا المقاهي كما كانت. بعضها تهدّم وبعضها صمت وبعضها خلا من أهله. ومع غياب المكان تفقد الحكاية جزءًا من صدقها إذ لا يمكن استحضار الذاكرة في فضاءٍ مكسور.
ورغم هذا الخراب لا تموت الدراما. إنها تتوارى تعيد ترتيب نفسها وتبحث عن صوتٍ جديد. فخرجت من الاستوديوهات إلى شهاداتٍ إنسانية ومن النصوص المكتوبة إلى سردياتٍ حية يرويها الناس في المنافي وعلى أطراف الأمل. فالفن في جوهره لا يُقهر لكنة يتشكل حتى في أقسى الظروف.
هكذا لم تكن حرب أبريل مجرد حدثٍ سياسي أو عسكري لكنها كانت اختبارًا قاسيًا للثقافة نفسها. وفي قلب هذا الاختبار تقف الدراما السودانية مجروحةً لكنها حيّة تنتظر لحظةً يعود فيها الضوء لتروي ما حدث كما لم يُروَ من قبل.




