مقالات

ميزانٌ مكسور… وحاكمٌ لا يُخطئ

ميزانٌ مكسور… وحاكمٌ لا يُخطئ


يعترف الشعب. نعم، يعترف.
يعترف حين يرى شارعاً مُعبّداً أن الفضل للقادة.
يعترف حين تصل الكهرباء يوماً كاملاً أن الحكومة تشتغل.
يعترف حين يلمح مستشفى جديداً أن الدولة ما قصّرت.
الشعب كريمٌ في الاعتراف، سخيٌّ في المدح، يوزع النياشين حتى على من لم يطلق رصاصة واحدة في معركة البناء.

لكن… حين يتعثر الطريق، وحين تنطفئ الكهرباء، وحين يموت المريض على باب المستشفى، تنقلب الآية. فجأةً يصبح الشعب هو المتهم.
يُقال له: أنتم لا تصبرون.
يُقال له: أنتم سبب الأزمة.
يُقال له: وعيكم ناقص، وإنتاجكم ضعيف، وضرائبكم لا تكفي.

يا لها من معادلة عرجاء!
ميزانٌ بكفّة واحدة. إذا ارتفعت، قالوا: نحن رفعناها. وإذا هبطت، قالوا: أنتم أثقلتموها.
الإنجاز يُنسب إليهم بالاسم الثلاثي، والصورة، والتصريح. أما الإخفاق فيُوزّع على الملايين: المواطن غير متعاون، الشعب مستهلك غير منتج، ثقافة الشارع هي السبب.

كأن القائد نبيٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه، والشعب تلميذٌ فاشل لا ينجح إلا بالعصا.
كأن المنصب صكّ غفرانٍ يمنع الخطأ، والمواطنة تهمةٌ جاهزة تُستدعى عند أول عثرة.

أي منطقٍ هذا؟
هل يُعقل أن يكون النجاح ابناً شرعياً للسلطة، بينما الفشل لقيطٌ يُنسب للشعب؟
هل من العدل أن يقطفوا ثمار المواسم الطيبة، ويتركوا للشعب أن يأكل عاصفة الجدب وحده؟

إن القائد الحقيقي هو من يقف في المقدّمة يوم النصر، ويقف وحده في الواجهة يوم الهزيمة. يقول: أنا المسؤول. لا أنتم السبب.
لأن القيادة ليست مغنماً فقط، بل مغرمٌ قبل ذلك. ليست تشريفاً بلا تكليف، بل هي تكليفٌ قبل التشريف.

التاريخ لا يجامل
اقرأوا دفاتر الأمم: الأوطان التي نهضت، نهضت حين اعترف قادتها بأخطائهم قبل أن يتباهوا بصوابهم.
والأوطان التي سقطت، سقطت حين صار الحاكم مقدساً والشعب مدنساً. حين صار المديح فرض عين، والنقد خيانة عظمى.

الشعب ليس ملاكاً، نعم. فيه المقصّر وفيه الكسول. لكن الشعب لا يملك خزينة، ولا يوقع قراراً، ولا يعين وزيراً، ولا يرسم سياسة. الشعب يمشي على الطريق الذي يُعبّد له، ويشرب من النهر الذي يُفتح له.

فإن كان النهر عذباً، فالشكر لمن حفر المجرى.
وإن كان النهر آسِناً، فالوزر على من لوّثه، لا على من شرب مكرهاً.

يا سادة…
لا تطلبوا من الناس أن يصفّقوا لكم في الرخاء، وأن يجلدوا أنفسهم في الشدة.
العدل أن نقول: أصبنا معاً، وأخطأنا معاً. أو على الأقل: أخطأتُ أنا، فتحمّلوا معي الإصلاح.
أما أن تكونوا شركاء في الغنيمة، غُرباء في الغرامة، فذلك ما لا يستقيم به وطن، ولا تستقر به نفوس.

الخلاصة:
الوطن ليس شركةً ربحها للمدير وخسارتها للعمال.
الوطن سفينة… إن نجت، نجونا جميعاً، وإن غرقت، كان القبطان أول من يُسأل: لماذا؟ قبل أن يُسأل الركاب.

فارحموا هذا الشعب من ميزانٍ مكسور، كفّته لكم دائماً، وكفّته عليه دائماً.
فإن العدل أساس الملك… وأساس الملك لا يُبنى على كذبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى