الاديب شقيفة يكتب : حين تقدم الأنا… يتعثّر الوطن

حين تتقدّم المصالح الفردية على المصلحة العامة، لا يتعرّض الوطن لجرحٍ عابر، بل يدخل في حالة شللٍ بطيء؛ كجسدٍ تُسحب منه الروح قطرةً قطرة، دون صراخ، ودون دم، ولكن بألمٍ أعمق وأطول أثرًا.
فالأنا، حين تتسيّد، لا ترى وطنًا، بل مرآةً تعكس رغباتها فقط، ولا تسمع نداء الشعب، بل صدى مكاسبها الضيقة.
عندها يصبح الوطن مجرد مساحة للمناورة، لا قضية للانتماء، ومجرد سلّمٍ للصعود لا بيتًا مشتركًا للجميع.
إن المصلحة الفردية، حين تُنزَع من سياقها الأخلاقي والوطني، تتحوّل إلى جدارٍ عازل بين الحلم والواقع، بين ما يستحقه الناس وما يُمنَح لهم قسرًا. فلا عدالة تُولد في ظل أنانية، ولا نهضة تُبنى على حساب الجماعة.
وما من وطنٍ نهض على أكتاف أفرادٍ جعلوه غنيمة، ولا تاريخٌ أنصف من اختصر الأوطان في أسمائهم.
فالشعوب لا تُهزم بالسلاح وحده، بل تُهزم حين يُساوَم على حقها، وحين تُختزل قضاياها الكبرى في حسابات ضيقة، وحين يُقايَض المستقبل بمنافع آنية.
هناك، تحديدًا، يبدأ الانحدار…
لا بضجيجٍ أو انفجار، بل بصمتٍ مريب، صمت تُدفن فيه القيم، وتُدار فيه القرارات بعيدًا عن أعين الناس وأحلامهم.
إن نهضة الوطن لا تحتاج أبطالًا خارقين، بقدر ما تحتاج ضمائر حيّة؛ ضمائر تفهم أن المنصب تكليف لا غنيمة، وأن الوطن فكرة جامعة لا مزرعة خاصة، وأن السلطة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعًا إداريًا.
وحين يدرك الفرد أن نجاته الحقيقية لا تنفصل عن نجاة الجماعة، وأن مصلحته الخاصة لا تستقيم إلا داخل مصلحة عامة عادلة، عندها فقط تُفتح الأبواب التي ظنّها الشعب موصدة إلى الأبد.
فالوطن لا يطلب من أبنائه أن يُلغوا ذواتهم،
بل أن يضعوها في مكانها الصحيح:
خلف الوطن لا أمامه،
في خدمته لا على حسابه،
ومع الشعب لا فوقه.
فالنهضة لا تبدأ حين نُحسن الكلام عن الوطن،
بل حين نتوقّف عن تقديم أنفسنا عليه.



