الهادي الشواف .. صناعة السلام المستدام في السودان رؤية لحل جذري لمسألة الحرب – (6)

كتب : الهادي الشواف
ثالثًا: إطلاق مشروع وطني جامع:
تتتبع هذه الرؤية في حلقات جذور النزاع المسلح في السودان، وتطرح رؤية استراتيجية لصناعة سلام مستدام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل تسعة لمعالجة البنية السياسية والاجتماعية التي أنتجت الحرب، وتستند إلى تحليل الواقع السوداني، وتتبنى مقترحات عملية لبناء عقد اجتماعي جديد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتمكين المجتمعات المحلية، في هذا المقال نواصل محاولات طرح رؤية لحل جذري لمسألة الحرب السودان، بالتوقف على بعض القضايا الفيصلية والمهمة جدًا، مثل بناء عقد اجتماعي جديد، وايضًا مسألة ادارة التنوع الثقافي في السودان، بالإضافة إلى ضمان المساواة في المواطنة والحقوق، كجزء من فهم أعمق لمعرفة أسباب الأزمة المستمرة في البلاد.
نحو عقد اجتماعي جديد.. أساس السلام المستدام في السودان:
ظللنا نكرر وبشكل شبه راتب بان في بلدٍ أنهكته الحروب والانقلابات، لا يكفي وقف إطلاق النار، ولا مجرد تسويات سياسية بين النخب السياسية والمجموعات المقاتلة، في أن تضعه على مسار الاستقرار والنهوض، والتسويات الحلول التي لا تخاطب جذور الازمة لا تضع حلول جذرية لمسألة الحرب في البلاد، فالبلاد لكي تمضي بعيدا في مسار الحلول الذرية، بحاجة إلى إعادة تأسيس على أساس عقد اجتماعي جديد، يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويُكرّس العدالة والمساواة والتعدد.
في واقع الأمر لا تكمن الأزمة في بندقية مشتعلة أو طاولة مفاوضات متعثرة فحسب، بل في غياب مشروع وطني جامع يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، على أساس الحقوق والواجبات، فبعد عقود من الحروب والانقلابات والتسويات الهشة، بات واضحًا أن البلاد لا تحتاج إلى اتفاق جديد بين النخب السياسية والعسكرية، بل إلى عقد اجتماعي جديد يُؤسس لسلام مستدام، وعدالة شاملة، ومواطنة متساوية دون تميز كما ظللنا نكرر دائما في هذه المساهمة.
ويبقى السؤال هو لماذا نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، ببساطة لان العقد الاجتماعي ليس وثيقة قانونية فحسب، بل هو تصور جماعي لماهية الدولة، وما طبيعة العلاقة بينها ومواطنيها؟ ومن يحكمها، وكيف تحكم، وكيف تُوزّع فيها السلطة والثروة. العقد الاجتماعي الجديد ومن خلال هذا التصور، هو السبيل الوحيد لكسر الحلقة الشريرة التي انهكت البلاد، وبناء دولة تُعبّر عن كل مكوناتها، وتُعترف فيها بالتنوع والتعدد، وتُضمن فيها الحقوق، وتُمارس فيها السلطة عبر الإرادة الشعبية لا عبر القوة.
يجب أن ينهض العقد الاجتماعي الجديد، على أساس المواطنة المتساوية، فلا يمكن بناء دولة عادلة دون ضمان حقوق متساوية لكل المواطنين، بغض النظر عن العرق، أو اللون أو الدين، أو الجهة، أو اللغة. ولضمان بناء عقد اجماعي جديد يعبر عن الجميع، يجب أن القاء كل أشكال التمييز، وتكريس مبدأ المساواة في الدستور والقانون والممارسة، فضلا عن الاعتراف بالتنوع الثقافي والتعدد اللغوي، فالسودان ليس بلدًا أحاديًا، بل عبارة عن فسيفساء شكلتها مكونات غنية بتنوعها. يجب أن يُعترف بهذا التنوع، ويُحتفى به، ويُدمج في التعليم، والإعلام، والسياسات العامة، بدلًا من إنكاره أو تهميشه.
وايضا يجب ان يؤكد العقد الاجتماعي الجديد، التوزيع العادل للسلطة والثروة، فلا يمكن أن تستمر الدولة في تركيز السلطة والثروة في العاصمة وبعض المدن الكبرى فقط، بينما تعاني الأطراف من غياب التنمية والمشاريع الخدمية. كما ذكرنا سابقًا بل يجب أن يُعاد توزيع الموارد بشكل عادل ومتوازن يراعي خصوية بعض المناطق، وتُمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية في التشريع والإدارة، ويُضمن لها نصيب عادل من التنمية. كما يجب أن تُفكّك العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، ويُعاد بناء القوات المسلحة على أسس مهنية وطنية، خاضعة للسلطة المدنية المنتخبة.
ونظل نكرر أن العقد الاجتماعي الجديد لا يُكتب في غرف مغلقة، بل يُصاغ عبر حوار وطني شامل يُشارك فيه الجميع: النساء، الشباب، المجتمعات المحلية، ضحايا الحرب، والمهمّشون، يجب أن يُعترف فيه بالتنوع الثقافي والتعدد اللغوي والديني، ويُضمن فيه الحق في المواطنة المتساوية، والمشاركة والتمثيل السياسي، وتوزيع العادل للثروة، والعدالة الاجتماعية. وإن السودان لن يخرج من دوامة العنف إلا إذا تحوّل من دولة تُدار بالقوة إلى وطن يُبنى بالإجماع. والعقد الاجتماعي الجديد هو الخطوة الأولى نحو هذا التحول.
التجربة السودانية أثبتت أن التسويات الجزئية لا تُنتج سلامًا، بل تُعيد إنتاج الأزمة.
والاتفاقات التي تُبرم بين النخب السياسية وحاملي السلاح، دون مشاركة شعبية حقيقة، تنهار سريعًا. أما العقد الاجتماعي الجديد، فهو اعادة تأسيس جديد للدولة، يُعيد بناء الثقة، ويُطلق طاقات البناء، ويُمهّد لتحول ديمقراطي حقيقي.
فالسودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد بين العسكر والمدنيين، بل إلى رؤية جديدة للدولة، تُصاغ من القاعدة إلى القمة، وتُعبّر عن كل السودانيين. والعقد الاجتماعي الجديد هو الخطوة الأولى نحو هذا التحول. إنه ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة سياسية، وأخلاقية، وتاريخية. فإما أن نُعيد تأسيس الدولة، أو نُعيد إنتاج الفشل.
ادارة التنوع الثقافي.. مفتاح بناء وطن يسع الجميع:
معظم الدراسات اكدت أن السودان يضم أكثر من 500 قبيلة، وعشرات اللغات المحلية، وتنوعًا ثقافيًا وتعددًا دينيًا ومذهبيًا، وثراء غير محدود من السرديات والمحكيات الشعبية المحلية، فمن جبال النوبة إلى دارفور، ومن الشرق إلى النيل الأزرق، تتعايش عشرات اللغات، والمعتقدات، والتقاليد، التي تُشكّل نسيجًا اجتماعيا وثقافيا غنيًا ومعقّدًا.
إلا أن السياسات الرسمية تجاهلت هذا التنوع، في وسائل الإعلام الا من بعض التناول في المناسبات الكبرى، وكذلك لم يتم تضمينها المناهج والمقررات الدراسية بشكل ينتج اثر ايجابي لدي الاجيال الجديدة، وايضا الخطاب السياسي لم يتضمن مسألة التنوع وامكانية ادارته، الا من باب التوظيف السلبي لصالح الحشد والتعبية للحرب، وبالتالي تم استثمار وتوظيف هذا التنوع في تغذية الصرع، بدلا من أن يكون مصدر قوة وثراء، ومن مؤشرات ذلك استمرار النزعات منذ ما قبل الاستقلال وحتى الان، مما يعد فشلًا واضحًا في ادارة التنوع والتعدد في البلاد.
ومن انعكاسات هذا التجاهل والفشل في ادارة التنوع، الضعف الواضح في الاحساس بالانتماء الوطني، والركون إلى الانتماءات القبلية والجهوية، هذا التراجع والارتداد يعكس الولاءات، فبدلا من أن يمون للوطن، فأنه يردد ويتراجع للجهة والقبيلة، وهذا يُفرغ الدولة من معناها التمثيلي المعبر عن كل المواطنين، ويُحوّلها إلى سلطة فوقية لا تعبّر عن الجميع.
ففي ظل هذه المؤشرات لا يمكن الحديث عن حل جذري لمسألة الحرب، وصناعة سلام مستدام، وبناء وطن يسع الجميع، دون الاعتراف الصريح والعملي بالتنوع وحسن ادارته، وصناعة دستور يُكرّس التنوع والتعدد والمشاركة والاختيار، ويعترف بجميع اللغات المحلية، ويوصي بالمحافظة عليها من الاندثار والعمل على تطويرها، ويحرس الحقوق الثقافية، ويعزز حرية التعبير والانتماء، ويُمنع التمييز على أي أساس.
وكذلك العمل على إصلاح المناهج التعليمية لتشمل تاريخ وثقافات كل مكونات الشعب السوداني، وتعزز قيم التنوع والتعدد التعايش والتسامح والانتماء المشترك، بحيث يحس الجميع بانهم جزء من هذا التاريخ وهذه الثقافة الوطنية، وأيضًا اعادة بناء مؤسسات إعلامية وطنية تسهم في نشر وعكس هذا التنوع لشكل متساوي، يُمثّل فيه كل المكونات والمجموعات المحلية، ويحتفى بها ضمن إطار وطني شامل.
وبمثل يجب وضع سياسات لغوية عادلة، يتم فيها الاعتراف باللغات المحلية في التعليم والإدارة، والعمل على تطويرها وتعزيزها، مع احترام خصوصيات المجتمعات، ولإنجاز كل ذلك لا بد من اجراء حوار مجتمعي واسع، يُشارك فيه المثقفون، والشباب، والنساء، وممثلي المجتمعات المحلية، لصياغة تصور مشترك لإدارة التنوع ورسم مستقبل البلاد.
ما نحب أن نؤكده في هذا السياق أن التنوع والتعدد الواسع في البلاد ليس تهديدًا، بل هو فرصة لبناء وطن غني بتنوعه، قوي بتماسكه، عادل في انتمائه، والاعتراف بالتنوع الثقافي والتعدد اللغوي والديني، وليس مجاملة رمزية، بل هو شرط أساسي لبناء السلام، والديمقراطية، والعدالة، فالسودان لن يتعافى إلا إذا احتضن كل مكوناته، ومنح لكل سوداني مكانًا في الحكاية الجماعية.
ضمان المساواة في المواطنة والحقوق.. حجر الأساس لبناء السودان الجديد:
في السودان، لطالما كانت المواطنة مسألة تفاوت لا مساواة، فبدلًا من أن تكون رابطة قانونية وأخلاقية تجمع كل السودانيين على قدم المساواة، تحوّلت إلى امتياز يُمنح للبعض ويُنتزع من آخرين، بناءً على العرق أو الجهة أو الدين أو الانتماء السياسي، وما يؤكد ذلك افرازات حرب الخامس عشر من ابريل، حيث حرم عدد كبير من تجديد جوازاتهم، ويتم نعت البعض بأنهم مرتزقة وغير سودانيين، هذا الخلل البنيوي في مفهوم المواطنة هو أحد أبرز أسباب التهميش، والتمرد، وانعدام الثقة في الدولة، واستمرار دوامة العنف.
هذه المواطنة المنقوصة تعبر عن واقع مأزوم، ففي كثير من مناطق السودان، لا يشعر المواطن بأنه متساوٍ في الحقوق والفرص، فالوصول إلى التعليم، والصحة، والوظائف، والتمثيل السياسي، غالبًا ما يرتبط بالانتماء الجهوي أو القبلي أو الطبقي، في بعض الاحيان، هذا التفاوت والتميز يُغذّي الشعور بالظلم والاغتراب، ويُضعف الانتماء الوطني ويُعزز الولاءات الضيقة، ويُنتج احتجاجات وحركات مسلحة تطالب بالإنصاف.
من نافلة القول أنه لا يمكن بناء دولة عادلة أو صناعة سلام مستدام دون ضمان المساواة في المواطنة والحقوق، والمدخل التأسيسي لذلك هو صناعة دستور يُكرّس المساواة، وينصّ صراحة على أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، دون أي تمييز، وفي ذات المنحة يجب صياغة وتشريع قوانين تُجرّم التمييز، وتُحاسب على أي ممارسة تُقصي أو تُهمّش على أساس العرق أو الدين أو الجهة أو النوع، والعمل على إصلاح مؤسسات الدولة، لضمان وصول الجميع إلى الخدمات والفرص، خاصة في المناطق الاقل نموًا، مع تمثيل سياسي عادل يُضمن فيه مشاركة كل المكونات المحلية في صنع القرار، ويُعاد فيه توزيع السلطة على أسس ديمقراطية، وبناء ثقافة وطنية جامعة، تُعزّز عبر مؤسسات تعليمية وثقافية والإعلامية، تعمل جميعها على تجذير مفاهيم المواطنة والحقوق والانتماء، وتكرس قيم التنوع والتعدد والعدالة.
المواطنة ليست مجرد بطاقة هوية، بل هي عقد ثقة بين الفرد والدولة، وضمان المساواة في المواطنة والحقوق هو حجر الأساس لبناء السودان الجديد، وطن لا يُقصي أحدًا، ولا يُميّز بين أبنائه، ويمنح لكل فرد مكانًا في الحكاية الجماعية. فإما أن نُساوي بين المواطنين، أو نُعيد إنتاج الظلم والانقسام وبالتالي استمرار دوامة الحرب.




