و رحل صديق الطفولة ابن قرية شيكان .. «عمار بشير» ذاكرة جيل وروح لا تنسي ..!

كمبالا : النور عبدالله محمدين
هنالك رحيل لا يفجع وحده، بل يترك خلفه فراغاً لا يُملأ مهما مرت الأيام ولا تداويه المواساة من الاعماق مهما صدقت .. هكذا كان وقع نبأ وفاة اخي صديق الطفولة ورفيق الدرب «عمار بشير عثمان إبراهيم» الذي ترجل عن صهوة حياته تاركاً ورائه دهشة الفقد، بعد أن أخذته يد الموت – هادم اللذات ومفرق الجماعات، حيث وقع علينا الخبر كالصاعقة مباغتاً حد أن الكلمات نفسها بدت متعبة وهي تحاول اللحاق به.
لم يكن رحيل «عمار» حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بكلمات قليلة، بل كان موجعاً في أعماق من عرفوه حق المعرفة منذ سنوات العمر الأولى.
نشأنا مع الفقيد في قرية شيكان الوادعة في الضفة الشرقية للجاسر بالجزيرة أبا بولاية النيل الأبيض، في طفولة إتسمت ببساطة الريف وصفائه، تدرجنا معاً في المراحل التعليمية بدء من الروضة ومرحلة الأساس في مدرسة القرية المختلطة، مروراً بمدرسة المرابيع ود اللبيح الثانوية، وحين انتقلنا معاً إلى جامعة القرآن الكريم وبالرغم من إيقاع الحياة يسير بنا مسرعاً، ولكن ظلت مسيرتنا المشتركة راسخة في القلب كصفحة أولى مليئة بذكريات لا تمحى من حكاية العمر.
الشاهد : أُصيب أخي «عمار» بأعياء المرض منذ سنوات، وقتها كنا في الجامعة ولكنه واجه مرضه بصبر لا يشبه صبر الناس العاديين، .. كان يروي ما يصيبه من حالات تعاوده في احايين كثيرة، بطمأنينة تُدهش السامعين، كأنما يخفف عنهم وقع الألم بدلاً من أن يطلب منهم مواساته. وبالغريب من مفارقات الحياة، فإن المرض الذي أنهك جسد اخي «عمار» فتح أمامه نوافذ جديدة من الإبداع، فصار الشعر إحدى لغاته المفضلة.
كان «عمار» إنسان مرهف وحساس يكتب كما لو أنه يضيئ عتمة غيره، ويشاركني كل جديد يكتبه في كل جلسة من الجلسات التي كنا نقطتعها من وقتنا لنحتسي فيها القهوة ونجتر الذكريات في شيكان وفي الخرطوم في بيوت اسرنا الممتدة بروابط وشائج الدم، إيماناً منه بأن الجمال لا يكتمل إلا حين يتقاسمه الآخرون، كان «عمار» شاعراً حتى في صمته، وفي ابتسامته، وفي طريقته الهادئة التي يواجه بها العالم.
أذكر في أحد اللقاءات الشبابية ومن بين عدد من القعدات التي اعتدنا علي تنظيمها في كل مرة نعود فيها من الخرطوم الي شيكان في الاعياد والمناسبات، ففي صيف 2021، بالتحديد على الضفة الشرقية بشاطئ نهر قرية شيكان، كانت لنا جلسة مع شباب وشابات القرية حيث تحدث فيها الفقيد «عمار» كان يدعو الحضور بضرورة النظر إلى الحياة بعين الجمال. بل كانت تلك الدعوة من شاب يرى العالم بصفاء طفل، وعمق حكيم، ويصر على أن الجمال ممكن، مهما تراكمت حوله أثقال الحياة، كان ينثر الأمل كما تُنثر الحبوب في أرض تعرف أنها ستنبت، ويترك في كل مكان أثراً يشبه الهدوء وشيئاً من الطمأنينة التي تفتقدها ارواحنا الآن.
لقد كان الفقيد «عمار» من أولئك الذين يَمنحون الأماكن روحها، والذكريات معناها، ويتركون في القلوب ظلالاً لا تزول بسهولة.
وحين بلغني خبر وفاة اخي «عمار» لم يكن الأمر مجرد إعلان عن غياب شخص، بل كان وكأن ركناً من الذاكرة قد انكسر. لم نُفجع بفقدان اخ وصديق فقط، بل بفقدان مرحلة كاملة من مشاوير الطفولة والدرب المشترك.
وبموت «عمار» إفتقدته علي المستوي الشخصي كسند ملازم منذ الصغر، وفقدته اسرته ورفاقه في مكتب رابطة شباب شيكان، وكما فقدته الساحة الاجتماعية وحيث الاحتفالات والفعاليات والليالي الثقافية وخشبه “المسرح” وكل الحراك الذي إعتدنا علي تنظيمه في قريتنا، بل فقده كل من عرفه لحسن خلقه وثباته ونقائه.
غادرنا اخي «عمار» من الدنيا الفانية بصمت بعد ان قاسي عناء المرض، لكنه ترك خلفه ذكريات، وصورة ثابتة لشاب ظل يمثل جزءاً أصيلاً من وجدان جيل كامل في قريتنا، جيل تربى على البساطة والمحبة والصدق، وكانت الصداقة فيه أكثر متانة من عمرها الزمني .. وبرحيله، انطفأت إحدى قناديل الطفولة التي طالما أنارت دروب خيرة الاخوة والصحبة.
ودعنا «عمار» في الأيام الماضية بقلوب مثقلة بالحزن .. نسأل الله أن يجعل صبره علي المرض نوراً له، وأن يعوض شبابه جنة ورضواناً وأن يسكنه مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
ويبقى اسم اخي «عمار» حياً… لا لأنه غاب، بل لأنه عاش جميلًا، نقياً وفياً وترك خلفه أثراً لا يجف.
السبت 6 ديسمبر 2025م




