الاديب شقيفة : ولادة السودان من جهاته المنسيّة

في بلد تتراجع فيه اليقينيات كما ينحسر النهر في مواسم الجدب، ينهض الهامش السوداني من تحت طبقات الإهمال، ليعلن ميلادًا جديدًا لوطنٍ وُلد مختطفًا. فالسودان الحقيقي — ذاك الذي لم يره العالم بعد — لم يخرج من رحم الخرطوم، بل من جهاته التي حُمّلت عبء التاريخ دون أن تمنح نصيبًا من الاعتراف.
الهامش… وعي سياسي يتجاوز الجغرافيا
لطالما قُرئ السودان من زاوية المركز، حيث تتكدّس المؤسسات، وتتراكم الامتيازات، وتُصاغ السرديات. إلا أن الأطراف — بما تحمله من تنوع وذاكرة ومعاناة — ظلّت خارج إطار الفهم الحقيقي.
الهامش ليس عتمة جغرافية كما يُصوَّر، بل مساحة وعي وتكوين سياسي متكامل. هو ذاكرة جماعية قاومت التهميش، وتمسكت بحقها في أن تكون شاهدًا وشريكًا في تعريف الوطن. وإذا كان المركز قد امتلك السلطة، فإن الهامش امتلك الحقيقة: حقيقة أن الدولة التي لا ترى أطرافها، دولة عمياء عن نفسها.
حين تفشل النخب… تتكلم الأطراف
على مدى عقود، احتكر المركز صياغة النظريات وبرمجة السلطة. لكنه — برغم كل أدواته — فشل في تأسيس دولة يشعر أبناؤها بأنهم أصلٌ لا هامش.
وعندما تعبت النخب من إدارة الأزمات أو الإبقاء عليها، نهضت الأطراف بوعي جديد: وعي يُدرك أن بناء السودان لن يتم من قمرة القيادة القديمة التي أفرزت الفشل والانقسام.
المركز خسر صوته حين تخلّى عن مسؤوليته الأخلاقية، بينما احتفظ الهامش بصوته لأنه لم يمتلك ترف الصمت.
مشروع الاعتبار… إعادة تعريف الدولة
ميلاد السودان من جهاته المنسيّة ليس انفجار غضب، بل إعلان مشروع جديد:
دولة تبدأ علاج جراحها قبل كتابة دساتيرها.
عدالة تُمارس على الأرض لا عبر النصوص.
هوية تقوم على الاعتراف بالتعدد لا على إنكاره.
مواطنة تُبنى على المساواة لا على الامتيازات.
إن كتابة تاريخ السودان القادم لا يجب أن تكون حكرًا على النخب. السطر الأول يكتبه اليوم أبناء الأطراف وهم يعلنون أن المساواة ليست مطلبًا محليًا، بل شرط وجود لأي دولة مستقرة.
الجهات التي لم يُسمع صوتها… تعيد تشكيل المستقبل
من غرب السودان المتوهج بالأسئلة، إلى شرق البلاد المتعطش للإنصاف، ومن الجنوب المثخن بالجراح إلى الشمال الهادئ، تتقدم الجهات المنسيّة اليوم لتقول:
إن الدولة ليست وصاية من المركز على الأطراف، بل شراكة إنتاجية في القرار والمصير.
هذا الوعي الجديد يعيد تشكيل مفهوم الدولة من جذوره. فالسودان الذي يتخلق الآن لا يريد أن يُعاد تدويره بنسخ قديمة، بل أن يُبنى من الوجدان الشعبي الذي ظل صابرًا وحاضرًا رغم كل الغياب الرسمي.
ميلاد وطن من الأطراف إلى القلب
السودان الذي يولد اليوم من جهاته المنسيّة هو مشروع أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا. مشروعٌ يعيد الإنسان إلى مركز الدولة، والدولة إلى وظيفتها الأولى: حماية كرامة الإنسان لا استنزافه.
هذه الولادة ليست حدثًا عابرًا، بل مسارًا تاريخيًا جديدًا…
مسارٌ يعلن أن بناء السودان لن يتم من الأعلى إلى الأسفل، بل من الأطراف إلى القلب، حتى لا يُختطف مجددًا تحت أي سلطة أو مركز.




