ما الذي يتغير فينا حين نهاجر؟

ما الذي يتغير فينا حين نهاجر؟
بقلم/ ايوب محمد ( مجنق )
حين يهاجر كثيرون إلى أوروبا أو إلى أي مجتمع تحكمه المؤسسات والقوانين بوضوح، يكتشفون سريعًا أن تفاصيل الحياة اليومية ليست متروكة للمزاج الشخصي أو للعلاقات أو للقدرة على التحايل. هناك قواعد واضحة، ومؤسسات حاضرة، ومسؤوليات فردية لا تقل أهمية عن الحقوق التي يتمتع بها المواطن أو المقيم.
فجأة، يصبح رمي عقب سيجارة في الشارع تصرفًا غير مقبول، ورمي النفايات من نافذة السيارة سلوكًا يستحق المساءلة. يصبح التدخين في الأماكن العامة اعتداءً على حق الآخرين في الصحة والراحة، لا “حرية شخصية” كما قد يبرر البعض. ويصبح عبور الشارع من المكان المخصص للمشاة، والالتزام بإشارة المرور حتى في غياب الشرطة أو السيارات، جزءًا من سلوك طبيعي يعكس احترام الحياة والنظام العام.
عند قيادة السيارة، يلتزم المهاجر بحزام الأمان، ليس فقط خوفًا من الغرامة، بل لأن القانون والمجتمع يعيدان تذكيره باستمرار بأن حياته وحياة الآخرين ليستا مسألة فردية. وعندما يكون معه طفل، يحرص على وضعه في مقعد الأمان المخصص في المقعد الخلفي، لأن حماية الطفل ليست رفاهية ولا عادة أجنبية، بل واجب أخلاقي وقانوني. ويتعلم أن السرعة الزائدة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، وتجاوز الإشارات، ليست “شطارة” أو مهارة في القيادة، بل سلوكيات قد تنتهي بخسارة إنسانية لا تعوض.
وفي المؤسسات العامة، يقف الناس في الطوابير مهما طالت. ينتظرون دورهم في المستشفى، والبنك، ومكتب الهجرة، ومحطة الحافلات، والمتاجر، دون أن يعتبروا تجاوز الآخرين حقًا مكتسبًا بسبب المعرفة أو المكانة أو الاستعجال. فالطابور في جوهره ليس مجرد ترتيب للأجساد، بل إعلان يومي عن المساواة: أن وقت الجميع له قيمة، وأن حقك لا يبدأ بإلغاء حق من يقف أمامك.
حتى العلاقة مع الشرطة والأجهزة الرسمية تتغير. إذا سُرقت ممتلكات شخص، أو تعرض لتهديد، أو شاهد اعتداءً في الحي، فإنه لا يرى في التبليغ ضعفًا أو “تعاونًا ضد الناس”، بل ممارسة طبيعية لحماية المجتمع. قد يبلغ عن سرقة هاتف، أو تخريب سيارة، أو عنف أسري، أو حتى سرقة قطة من أمام منزله، لأنه يدرك أن الأمن ليس وظيفة الشرطة وحدها، بل مسؤولية جماعية تبدأ من المواطن الذي لا يتسامح مع الجريمة ولا يصمت عنها.
وعندما يحصل المهاجر على الجنسية ويصبح ناخبًا، يبدأ في فهم معنى المواطنة السياسية. لا يكفي أن يكون المرشح من منطقته أو من جماعته أو يتحدث بلغته أو يشارك الناس انتماءهم الاجتماعي. الناخب في المجتمعات الديمقراطية، أو على الأقل في صورتها المثالية، يبحث في تاريخ المرشح، وسيرته المهنية، وسلوكه العام، ومواقفه من القضايا، وقدرته على إدارة الشأن العام. يسأل: ماذا قدم؟ ما برنامجه؟ هل هو نزيه؟ هل التزم بوعوده؟ هل تحيط به شبهات فساد؟ وهل يستحق أن يُمنح سلطة اتخاذ القرار باسم الناس؟
وهنا يظهر السؤال الذي يستحق وقفة صادقة: لماذا نلتزم بهذه القواعد حين نغادر بلداننا، ثم نستهين بها حين نكون داخلها؟
لماذا نحرص على نظافة شوارع الآخرين، ثم نلقي القمامة في شوارع أحيائنا؟
لماذا نعبر الطريق من المكان المخصص للمشاة في الغربة، ثم نتصرف في طرقاتنا وكأن السلامة شأن شخصي لا علاقة له بالآخرين؟
لماذا نقف في الطوابير هناك بصبر، ثم نبحث هنا عن الواسطة أو تجاوز الدور أو فرض النفوذ؟
لماذا نلتزم بالقانون عندما نعلم أن العقوبة حاضرة، ثم نتجاوزه عندما نعتقد أن أحدًا لن يحاسبنا؟
ولماذا نتعامل مع التصويت في المجتمعات الأخرى باعتباره مسؤولية، ثم نسمح في بلادنا بأن يتحول إلى ولاء قبلي أو عائلي أو عاطفي؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى لوم المهاجر أو التقليل من قسوة الظروف التي تدفع الناس إلى الرحيل. فالهجرة في كثير من الحالات ليست ترفًا ولا خيارًا سهلًا، بل نتيجة للحرب، وانهيار الخدمات، والبطالة، والفقر، وانعدام الأمان، وضعف فرص التعليم والعلاج والعمل الكريم. كما أن الناس لا يهاجرون فقط لأنهم لا يحترمون القانون في بلدانهم؛ بل لأنهم يبحثون عن حياة أكثر استقرارًا، وعن نظام يضمن الحد الأدنى من الحقوق والعدالة والكرامة.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن نُعفي أنفسنا بالكامل من المسؤولية. صحيح أن الحكومات الفاشلة، والفساد، وضعف المؤسسات، وغياب العدالة عوامل أساسية في تدهور الأوطان. وصحيح أن المواطن قد يشعر أحيانًا بأن التزامه وحده لن يغير شيئًا في ظل واقع مختل. لكن هذا المنطق، إذا تحول إلى ثقافة عامة، يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يبرر كل فرد مخالفته بأن الدولة فاسدة، أو بأن الآخرين يفعلون الشيء نفسه، يصبح الفساد سلوكًا يوميًا لا يقتصر على كبار المسؤولين.
إن الدولة لا تُبنى بالقوانين المكتوبة فقط، بل بالمواطنين الذين يمنحون القانون معنى في حياتهم اليومية. لا يمكن أن نطالب بدولة تحترمنا ونحن لا نحترم ممتلكاتها العامة. لا يمكن أن نطالب بالعدالة ونحن نمارس الواسطة حين تخدم مصالحنا. لا يمكن أن ننتقد الفساد في المؤسسات، ثم نقبل الرشوة الصغيرة، أو نتسامح مع اختلاس المال العام، أو نصمت عن المحسوبية، أو ننتخب شخصًا غير مؤهل فقط لأنه قريب أو ابن قبيلة أو صديق للعائلة.
المشكلة ليست في أننا لا نعرف ما هو الصواب. نحن نعرفه جيدًا، والدليل أننا نمارسه عندما ننتقل إلى بيئة تحمي القانون وتطبق النظام على الجميع. المشكلة أن كثيرًا منا يتعامل مع النظام باعتباره شيئًا مفروضًا من الخارج، لا قيمة داخلية يجب أن نؤمن بها وننقلها إلى مجتمعاتنا. نحترم القانون أحيانًا خوفًا من العقوبة، لا اقتناعًا بأن القانون يحمي الجميع، بمن فيهم نحن.
والفرق بين المجتمع الذي ينهض والمجتمع الذي يتعثر لا يكمن فقط في الموارد أو الثروات أو عدد الجامعات أو حجم المساعدات الخارجية. إنه يكمن أيضًا في وجود ثقافة عامة تعتبر احترام الوقت، ونظافة المكان، وحماية الممتلكات العامة، وأداء الواجبات، والمساءلة، قيمًا يومية لا يمكن التنازل عنها.
إننا بحاجة إلى مراجعة مفهومنا عن الوطنية. الوطنية ليست أن نرفع الشعارات في المناسبات، ولا أن ندافع عن أخطاء جماعتنا ضد الآخرين، ولا أن نكتفي بانتقاد الحكومات من بعيد. الوطنية الحقيقية أن تحافظ على شارعك، وأن تحترم دور غيرك، وأن لا تفسد مرفقًا عامًا، وأن ترفض الرشوة ولو كانت بسيطة، وأن تعلم أبناءك أن الطريق ملك للجميع، وأن المال العام مالهم، وأن صوتهم في الانتخابات أمانة لا سلعة.
كما أن إصلاح المجتمعات لا يبدأ دائمًا بقرارات ضخمة. قد يبدأ من تفاصيل يراها البعض صغيرة: أن تضع النفايات في مكانها، أن تلتزم بالدور، أن تعتذر إذا أخطأت، أن تبلغ عن الاعتداء، أن تحترم قوانين المرور، أن لا تستخدم الواسطة لإقصاء مستحق، وأن تسأل قبل الانتخابات عن برنامج المرشح وكفاءته وسجله، لا عن قبيلته أو مكان ميلاده أو علاقاته الخاصة.
ربما لا يستطيع الفرد وحده أن ينهي حربًا، أو يبني مؤسسات دولة، أو يقضي على الفساد الكبير. لكنه يستطيع أن يرفض أن يكون جزءًا من الفوضى. يستطيع أن يبدأ من نفسه، وأن يؤثر في أسرته ومكان عمله وحيه ومجتمعه. ومع تكرار هذا السلوك من آلاف الأفراد، تتحول القيم من نصائح أخلاقية إلى ثقافة عامة، ومن ثقافة عامة إلى ضغط اجتماعي، ومن ضغط اجتماعي إلى مؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار والمساءلة.
ليست أوروبا مثالية، وليست مجتمعاتها خالية من العنصرية أو الفساد أو المشكلات الاجتماعية والسياسية. لكنها تقدم درسًا عمليًا في أن احترام القانون، حين يصبح عادة جماعية وتدعمه مؤسسات حقيقية، يمكن أن يجعل الحياة أكثر أمنًا وعدلًا وتنظيمًا، حتى مع وجود الاختلافات والمشكلات.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا هي متقدمة ونحن متأخرون؟ بل ينبغي أن نسأل أنفسنا: ما الذي نفعله نحن، كل يوم، ليصبح واقعنا أفضل أو أسوأ؟
فإذا كنا قادرين على احترام القانون في بلاد الغربة، فنحن قادرون على احترامه في بلادنا. وإذا كنا قادرين على الوقوف في الطوابير هناك، فنحن قادرون على صون حقوق الآخرين هنا. وإذا كنا نبحث عن تاريخ المرشح وكفاءته حين ننتخب في مجتمع جديد، فمن باب أولى أن نفعل ذلك حين نختار من يدير مستقبل وطننا.
فالأوطان لا تُنقذ فقط بمن يهاجرون بحثًا عن حياة أفضل، بل بمن يقررون أن يجعلوا الحياة أفضل حيث هم، وأن يمارسوا في أوطانهم القيم ذاتها التي يحترمونها في بلاد الآخرين.




