مقالات

من رماد الحرب إلى فضاء الإصلاح.. حين يصبح الوطن أكبر من دولة ٥٦

الأديب شقيفةعقيق

من رماد الحرب إلى فضاء الإصلاح
لم تكن الندوة السياسية التي أقامتها اللجان المدنية السودانية تحت عنوان:
(حرب 15 أبريل ما بين التغيير الشامل وإصلاح دولة ٥٦.. الفرص والتحديات) مجرد جلسة للنقاش، ولا مناسبة لتبادل المواقف؛ بل كانت محاولة لفتح نافذة في جدار الأزمة، لعل الهواء النقي يجد طريقه إلى وطنٍ أثقلته الحرب، وأرهقته السياسة، وأتعبته أسئلة الدولة.

في السودان، لم تبدأ الأزمة يوم انطلقت رصاصة 15 أبريل؛ فالحرب كانت، في جانب كبير منها، نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة من اختلال الدولة، وغياب العدالة، وتسييس المؤسسات، وتفاوت الفرص، وانسداد أبواب المشاركة أمام قطاعات واسعة من السودانيين.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟
بل: أي سودان نريد أن نبني بعد أن تتوقف الحرب؟
فإيقاف القتال ضرورة، لكنه لا يكفي وحده. قد تصمت البنادق، بينما تبقى جذور الأزمة حية تحت رمادها، تنتظر جولة جديدة من الصراع.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الدولة ليست غنيمةً تتقاسمها القوى السياسية، وليست ملكاً لنخبةٍ بعينها، ولا امتداداً لتاريخٍ مغلق على نفسه.

الدولة ملك لجميع مواطنيها؛ شمالاً وشرقاً وغرباً وجنوباً ووسطاً، في المدن والقرى والبوادي، للمرأة والرجل، للشاب والكهل، ولمن اختلف معنا في الرأي كما لمن اتفق.

إن الحديث عن (دولة ٥٦) ينبغي ألا يتحول إلى معركة حول الماضي بقدر ما يجب أن يكون مدخلاً لمراجعة تجربة الدولة السودانية منذ الاستقلال: ماذا نجحنا فيه؟ أين أخفقنا؟ ومن دفع ثمن الإخفاق؟ وكيف نصنع دولة لا تعيد إنتاج ذات المظالم بالأسماء والأشكال نفسها؟
الإصلاح ليس هدم الدولة، كما أنه ليس ترميم الجدران المتصدعة وترك الأساس مختلاً.

الإصلاح هو أن نعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة؛ بحيث يصبح المواطن صاحب حق، لا طالب مِنّة، وتصبح المؤسسات خادمةً للصالح العام، لا أدواتٍ للنفوذ السياسي، ويصبح القانون فوق الجميع، لا سيفاً يُرفع على الضعفاء ويُخفض أمام الأقوياء.

ولعل أجمل ما في الندوة كان حضور الشباب ومداخلاتهم النوعية؛ لأن السودان الذي نبحث عنه لن يولد من مكاتب النخب وحدها، بل من وعي جيلٍ جديد يرى أن المستقبل ليس تكراراً للماضي.

الشباب لا يريدون أن يرثوا السودان كما هو؛
يريدون أن يرثوا حق إعادة بنائه.

ومن هنا، فإن الحرب ــ رغم بشاعتها وكلفتها الإنسانية الهائلة ــ تضع أمام السودانيين لحظة تاريخية لا ينبغي إهدارها: فإما أن نخرج منها بالوجوه القديمة والعقلية القديمة والمؤسسات القديمة، فنكون قد دفعنا كل هذا الثمن من أجل العودة إلى النقطة ذاتها؛ وإما أن نجعل من الألم فرصةً لمراجعة عميقة، ومن الانقسام بدايةً لتأسيس عقد اجتماعي جديد.

ليس المطلوب أن يتفق السودانيون على كل شيء؛ فهذا مستحيل.

المطلوب أن يتفقوا على قواعد الاختلاف.

أن نختلف دون أن نقتل.
وأن نتنافس دون أن نقصي.
وأن نحكم دون أن نستعبد.
وأن نعارض دون أن نخون.
وأن ننتصر للوطن، لا على الوطن.

إن السودان الجديد الذي يستحق أن يولد من رحم هذه المأساة هو السودان الذي لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بقبيلته أو منطقته أو قربه من السلطة، وإنما بمواطنته وحقوقه وكرامته.

وهنا يصبح الإصلاح مشروعاً وطنياً لا شعاراً سياسياً؛ مشروعاً يبدأ بإصلاح المؤسسات، وإعادة بناء الخدمة المدنية، وإصلاح المنظومة العدلية، وضمان استقلال القضاء، وإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة جذور التهميش، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء نظام اقتصادي أكثر عدلاً، وإطلاق تعليمٍ يصنع المواطن لا التابع.

فالسلام الحقيقي ليس غياب الحرب فقط؛
السلام هو أن يشعر المواطن أن الدولة لن تظلمه مرة أخرى.

والعدالة ليست الانتقام؛
بل أن يعرف كل سوداني أن القانون قادر على الوصول إلى الجميع.

والتغيير الحقيقي ليس تبديل الأشخاص؛
بل تغيير القواعد التي أنتجت الأزمة.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج من مثل هذه الندوات ليس: من سيحكم السودان؟
بل: كيف سيُحكم السودان؟
فالأشخاص يتغيرون، والسلطات تتبدل، والحكومات تسقط وتصعد، لكن الدولة التي نريدها يجب أن تبقى.

ومن هنا تبدأ فلسفة الإصلاح:
أن نبني دولةً لا تحتاج إلى ثورة كل بضع سنوات كي تتذكر مواطنيها، ولا تحتاج إلى حربٍ كي تكتشف أخطاءها، ولا تحتاج إلى دماءٍ جديدة كي تبحث عن عدالةٍ قديمة.

لقد أحرقت الحرب كثيراً من الأشياء، لكنها كشفت أيضاً ما كان مختبئاً تحت الرماد.

والفرصة الآن ليست في إعادة السودان إلى ما كان عليه، وإنما في أن نمنحه فرصةً ليصبح ما كان ينبغي أن يكون عليه.

سودان المواطنة، لا سودان الامتيازات.
سودان المؤسسات، لا سودان الأشخاص.
سودان القانون، لا سودان القوة.
سودان المستقبل، لا أسير الماضي.

فإذا كان 15 أبريل قد فتح جرحاً عميقاً في جسد الوطن، فإن مسؤوليتنا ألا نكتفي بإيقاف النزيف، بل أن نعالج الجرح من جذوره.
ذلك هو الإصلاح الذي يستحقه السودان…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى