م.عبدالله موسي يكتب : لا نهضة في السودان بلا كهرباء

لا نهضة في السودان بلا كهرباء
الطاقة ليست خدمة فقط لكنها أساس الدولة والاقتصاد ومستقبل السودان
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارو
م.عبد الله موسى أحمد – باحث
في السودان، كثيرًا ما يُنظر إلى الكهرباء باعتبارها خدمة أساسية يحتاج إليها المواطن في منزله أو مرفقًا من مرافق الدولة التي ينبغي أن تعمل بصورة منتظمة. لكن هذه النظرة لم تعد كافية خصوصًا بعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية.
الكهرباء في السودان ليست مجرد مصباح يضيء منزلًا بعد غروب الشمس وإنما هي الطاقة التي تحرك مضخة المياه وتشغل المستشفى وتدير المصنع وتسقي الحقل وتحفظ الدواء والغذاء وتُبقي شبكات الاتصالات والخدمات الرقمية قيد العمل.
ولهذا فإن أزمة الكهرباء ليست أزمة قطاع منفصل عن بقية قطاعات الدولة، إنها أزمة تمس الاقتصاد والخدمات والاستقرار الاجتماعي وتمتد آثارها إلى مستقبل التنمية نفسها.
لقد كشفت الحرب حجم هشاشة البنية التحتية للطاقة وأظهرت أن إعادة تشغيل الكهرباء لا يمكن أن تكون هدفًا مؤقتًا ينتهي بمجرد عودة التيار إلى المدن والقرى. المطلوب أكبر من ذلك الا هو إعادة بناء نظام طاقة قادر على دعم السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب.
الكهرباء تبدأ من الاقتصاد، لا يمكن بناء اقتصاد منتج في بلد يعاني من نقص الطاقة وعدم استقرار الإمداد.
فالمزارع يحتاج إلى الكهرباء لتشغيل مضخات الري والمنشأة الزراعية تحتاج إليها للتخزين والتبريد والتصنيع والمصنع يحتاج إلى تيار مستقر لتشغيل خطوط الإنتاج والمنجم يحتاج إلى الطاقة في عمليات الاستخراج والمعالجة بينما تحتاج الأسواق والمخازن إلى الكهرباء لحفظ السلع والأغذية والأدوية.
وعندما تكون الكهرباء غير مستقرة، ترتفع تكلفة الإنتاج وتتراجع القدرة التنافسية ويصبح الاستثمار أكثر مخاطرة.
وهذا يعني أن مشكلة الكهرباء لا تتوقف عند حدود وزارة الطاقة أو شركة الكهرباء بل تصل مباشرة إلى سعر المنتج في السوق وإلى قدرة المزارع على الإنتاج وإلى قرار المستثمر بإنشاء مصنع أو تأجيله.
ومن هنا يجب أن يتغير مفهوم الكهرباء في السودان ان الطاقة ليست عبئًا على الاقتصاد وإنما واحدة من أهم أدوات تشغيله ونموه.
السودان لا يحتاج إلى إعادة الماضي، قد تكون إعادة تشغيل المحطات المتضررة وإصلاح خطوط النقل والتوزيع ضرورة عاجلة، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية التفكير.
فإذا كانت الحرب قد كشفت ضعف المنظومة القديمة، فإن إعادة بنائها بالطريقة نفسها تعني ببساطة إعادة إنتاج المشكلة. السؤال الذي ينبغي أن يسبق عملية إعادة الإعمار هو ما نوع منظومة الطاقة التي يحتاج إليها السودان خلال العقود المقبلة؟
السودان بلد واسع وتجمعاته السكانية ومشروعاته الزراعية والصناعية موزعة على مساحات كبيرة. لذلك فإن الاعتماد الكامل على شبكة مركزية واحدة يجعل بعض المناطق شديدة التأثر بأي خلل يصيب خطوط النقل أو محطات التحويل.
الحل ليس التخلي عن الشبكة القومية، فهي ستظل العمود الفقري لمنظومة الكهرباء وإنما دعمها بشبكات محلية ومصادر متنوعة للطاقة.
يمكن للمناطق الريفية والزراعية على سبيل المثال، الاستفادة من شبكات صغيرة تعتمد على الطاقة الشمسية والتخزين مع إمكانية الربط بالشبكة القومية عندما تتوافر.
هذا النموذج لا يوفر الكهرباء فقط وإنما يجعل النظام أكثر قدرة على الصمود أمام الأعطال والأزمات.
الطاقة الشمسية فرصة للسودان، يمتلك السودان موردًا طبيعيًا مهمًا يمكن أن يصبح جزءًا أساسيًا من مستقبله الشمس.
والطاقة الشمسية ليست ترفًا تقنيًا أو مشروعًا مؤقتًا لمواجهة انقطاع الكهرباء. يمكن أن تصبح أحد أعمدة منظومة الطاقة السودانية، خصوصًا في المناطق الريفية والمشروعات الزراعية والمراكز الصحية والمدارس والمشروعات الصغيرة.
لكن الاستفادة من الطاقة الشمسية تحتاج إلى رؤية متكاملة. فلا يكفي استيراد الألواح وتركيبها. هناك حاجة إلى البطاريات والمحولات وأنظمة التحكم وإلى فنيين مدربين وقطع غيار ومعايير جودة وآليات تمويل تتيح للمواطن والمزارع وصاحب المشروع الحصول على النظام المناسب.
كما أن بناء سوق للطاقة الشمسية يتطلب حماية المستهلك من المعدات الرديئة، لأن انتشار المنتجات منخفضة الجودة يمكن أن يحول فرصة اقتصادية مهمة إلى مصدر جديد للخسائر.
السودان أمام فرصة لبناء قطاع كامل للطاقة الشمسية وليس مجرد سوق لاستيراد معداتها. وهذا القطاع يمكن أن يخلق وظائف جديدة ويشجع الاستثمار ويطور المهارات المحلية ويخدم مناطق لا تصل إليها الشبكة القومية بسهولة.
الطاقة والمياه والغذاء، من أكبر الأخطاء أن نتعامل مع الكهرباء باعتبارها قضية منفصلة عن الأمن المائي والغذائي.
فالمياه تحتاج إلى الطاقة. والزراعة تحتاج إلى المياه والطاقة. والغذاء يحتاج إلى الزراعة والتخزين والتبريد والنقل، وكلها تعتمد بدرجات مختلفة على الكهرباء.
لذلك فإن إصلاح قطاع الطاقة يمكن أن يفتح الباب أمام إصلاح قطاعات أخرى.
إذا توفرت الكهرباء للمزارع، أمكن تشغيل مضخات الري بكفاءة أكبر. وإذا توفرت الطاقة لمراكز التخزين والتبريد، انخفض الفاقد الزراعي. وإذا توفرت الكهرباء للمصانع، أمكن تصنيع جزء أكبر من المنتجات الزراعية داخل السودان بدلًا من تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة.
بهذا المعنى تصبح الطاقة حلقة تربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة والتجارة.
وهنا تظهر أهمية الطاقة في مشروع السودان الاقتصادي المقبل لا يكفي أن ننتج أكثر؛ علينا أن نمتلك الطاقة التي تمكننا من تحويل الإنتاج إلى قيمة اقتصادية.
الصناعة لن تنتظر، السودان يحتاج بعد الحرب إلى إعادة بناء قاعدته الصناعية، ليس فقط لتوفير السلع المحلية وإنما أيضًا لخلق الوظائف وتقليل فاتورة الاستيراد وزيادة الصادرات. لكن الصناعة لا يمكن أن تنمو في بيئة كهربائية غير مستقرة.
المصنع يحتاج إلى طاقة يمكن التنبؤ بها، لأن كل توقف مفاجئ قد يعني خسارة في الإنتاج والمواد الخام والوقت.
ولهذا يجب أن تكون الطاقة الصناعية جزءًا واضحًا من التخطيط الاقتصادي.
فالمناطق الصناعية المستقبلية ينبغي أن تُخطط منذ البداية وفق احتياجاتها من الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، بدلًا من إنشاء المصانع أولًا ثم البحث لاحقًا عن الطاقة اللازمة لتشغيلها.
الكهرباء قضية أمن قومي، كشفت الحرب أيضًا أن الطاقة ليست مسألة اقتصادية فقط. عندما تتعطل الكهرباء، تتأثر المياه والصحة والاتصالات والنقل والغذاء وبالتالي تتأثر قدرة المجتمع والدولة على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية.
لهذا ينبغي أن تدخل البنية التحتية للطاقة ضمن مفهوم الأمن القومي.
ومن أهم الدروس التي ينبغي أن يتعلمها السودان هو ضرورة تنويع مصادر التوليد وتوزيع منشآت الطاقة جغرافيًا وتوفير قدرات احتياطية وتقوية شبكات النقل والتوزيع وإنشاء أنظمة أكثر سرعة في اكتشاف الأعطال وإصلاحها.
الدولة القوية ليست الدولة التي تنتج كهرباء كثيرة فقط وإنما الدولة التي تستطيع الحفاظ على استمرار الطاقة حتى في الظروف الصعبة.
لا يمكن جذب الاستثمار من دون طاقة،
هناك علاقة مباشرة بين الكهرباء والاستثمار. المستثمر لا ينظر إلى حجم السوق والموارد الطبيعية فقط، بل يسأل عن تكلفة الإنتاج واستقرار الخدمات والقدرة على تشغيل المشروع بصورة مستمرة. ومن الصعب إقناع مستثمر طويل الأجل ببناء مصنع أو منشأة إنتاجية إذا كان لا يعرف مدى استقرار الكهرباء أو تكلفة الحصول عليها.
لذلك فإن تطوير قطاع الطاقة سيكون واحدًا من أهم الرسائل التي يمكن أن يرسلها السودان إلى المستثمرين بعد الحرب.
إصلاح الكهرباء يعني، في جانب منه، إصلاح بيئة الاستثمار نفسها. وهذا يتطلب مؤسسات مستقرة وقوانين واضحة وشفافية في إدارة القطاع ونظامًا ماليًا قادرًا على تمويل التشغيل والصيانة والتوسع.
النهضة تبدأ من البنية التحتية، غالبًا ما تبدأ أحاديث النهضة بالتعليم والصحة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا. لكن كل هذه القطاعات تحتاج إلى بنية تحتية تستطيع أن تحملها. لا يمكن أن يكون لدينا تعليم رقمي بلا كهرباء. ولا يمكن أن تكون لدينا مستشفيات حديثة بلا طاقة موثوقة.
ولا يمكن أن تكون لدينا زراعة تنافسية بلا كهرباء للري والتخزين والتصنيع. ولا يمكن أن تكون لدينا صناعة متطورة بلا إمداد مستقر. ولا يمكن أن تكون لدينا دولة رقمية بلا شبكة طاقة قادرة على تشغيل الاتصالات ومراكز البيانات والخدمات الإلكترونية. ولهذا فإن الحديث عن نهضة السودان يجب أن يبدأ من الأساس وليس من النتائج. والطاقة واحدة من أهم أساسات هذا البناء.
ما الذي ينبغي فعله؟، يحتاج السودان إلى استراتيجية وطنية للطاقة لا ترتبط بحكومة أو وزير وإنما بمشروع دولة طويل الأجل. وينبغي أن تبدأ هذه الاستراتيجية بإعادة تأهيل ما يمكن إصلاحه من محطات التوليد وخطوط النقل ومحطات التحويل وشبكات التوزيع، مع إعطاء الأولوية للمياه والمستشفيات والخدمات الأساسية.
ثم تأتي مرحلة التوسع في التوليد وفق مزيج متنوع من المصادر مع إعطاء الطاقة الشمسية والمتجددة مساحة أكبر في التخطيط المستقبلي. كما ينبغي تشجيع إنشاء شبكات كهرباء صغيرة في المناطق الريفية والزراعية وتطوير برامج تمويل تتيح للأسر والمزارعين والمشروعات الصغيرة استخدام الطاقة الشمسية.
وفي الوقت نفسه، يجب الاستثمار في الإنسان. فالسودان يحتاج إلى مهندسين وفنيين ومتخصصين في الطاقة المتجددة والشبكات الذكية والتخزين وإدارة منظومة الكهرباء. يمكن شراء المعدات من الخارج، لكن لا يمكن استيراد بناء القدرات الوطنية.
السودان أمام خيارين، السودان بعد الحرب يقف أمام خيارين واضحين.
الأول أن يتعامل مع الكهرباء باعتبارها أزمة ينبغي تجاوزها مؤقتًا، فيعيد تشغيل ما يمكن تشغيله، ثم ينتظر أزمة جديدة.
والثاني أن ينظر إلى الأزمة باعتبارها فرصة لإعادة بناء منظومة طاقة حديثة، أكثر تنوعًا ومرونة وكفاءة، قادرة على خدمة الاقتصاد لعقود مقبلة.
الخيار الثاني هو الأصعب، لكنه أيضًا الأكثر فائدة للسودان. فالدول لا تنهض فقط بما تملكه من موارد وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج. والطاقة هي الوسيلة التي تسمح بهذا التحول.
السودان الذي يريد أن ينهض يحتاج إلى طاقة تنهض معه، لقد دمرت الحرب جزءًا كبيرًا من البنية التحتية السودانية، لكنها كشفت في الوقت نفسه نقاط ضعف ظلت سنوات طويلة من دون معالجة. ومن الخطأ أن تكون الإجابة مجرد إعادة ما تهدمفالمطلوب هو أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى مشروع لبناء سودان أكثر قدرة على الإنتاج والصمود.
سودان يمتلك شبكة قومية قوية ومصادر متنوعة للطاقة وشبكات محلية قادرة على خدمة المناطق البعيدة وطاقة شمسية تستفيد من موارده الطبيعية وكوادر وطنية تدير هذا النظام بكفاءة.
إن معركة السودان بعد الحرب ليست معركة إعادة المباني والطرق والمحطات فقط وإنما معركة تأسيس اقتصاد جديد قادر على الإنتاج والاستثمار والمنافسة.
وفي قلب هذه المعركة تقف الطاقة.
فإذا أردنا سودانًا منتجًا، فعلينا أن نبني طاقة منتجة. وإذا أردنا صناعة حديثة، فعلينا أن نوفر كهرباء مستقرة. وإذا أردنا زراعة تنافسية، فعلينا أن نضمن طاقة موثوقة وميسورة التكلفة. وإذا أردنا دولة حديثة، فعلينا أن نبني بنية تحتية للطاقة تستطيع أن تصمد أمام الأزمات وتخدم جميع المواطنين.
السودان الذي يريد أن ينهض لا ينبغي أن ينتظر عودة الكهرباء، بل عليه أن يبني نظام طاقة يجعل النهضة ممكنة ويجعل التنمية مستدامة ويمنح الاقتصاد القدرة على الإنتاج والدولة القدرة على بناء المستقبل.
فلا نهضة بلا طاقة ولا اقتصاد حديث بلا كهرباء ولا مستقبل مستدام للسودان من دون أن تكون الطاقة في قلب مشروعه الوطني.




