خليل عثمان ابوا الصناعة ومدرسة في الرأسمالية الوطنية السودانية

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث
لم يكن صعود خليل عثمان محمود المولود 1937 بالديوم النيل الابيص والمتخرج من جامعة الخرطوم والمختص فى مهنة الطب البيطرى إلى قمة عالم المال والأعمال مجرد قصة نجاح فردية بل كان انعكاسًا لمرحلة كاملة من تاريخ الاقتصاد السوداني عندما كان القطاع الخاص يقود عملية التنمية جنبًا إلى جنب مع الدولة. ففي الفترة الممتدة من ستينيات القرن العشرين وحتى نهاية الثمانينيات شهد السودان بروز جيل من رجال الأعمال الذين آمنوا بالإنتاج والصناعة وكان خليل عثمان أحد أبرز رموز الاقتصاد السوداني قبل الطفرة الصناعية عند استقلال السودان عام 1956، كان الاقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على الزراعة التقليدية ومشروع الجزيرة وصادرات القطن والثروة الحيوانية.
أما الصناعة، فكانت محدودة ومتركزة في الصناعات الغذائية وبعض الصناعات الخفيفة، مع اعتماد كبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق. وفي تلك المرحلة لم يكن الاستثمار الصناعي مغريًا إذ كان يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وتقنيات حديثة وكوادر مؤهلة. لذلك فضّل كثير من رجال الأعمال التجارة وبينما اختار خليل عثمان طريقًا مختلفًا مؤمنًا بأن بناء المصانع هو الطريق الحقيقي لبناء الاقتصاد.
عقلية رجل الأعمال لا تاجر، كان الفرق بين خليل عثمان وكثير من رجال الأعمال في عصره أنه لم ينظر إلى الربح السريع باعتباره الهدف النهائي لكن كان يرأى أن الربح الحقيقي يأتي من بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار لعقود.
لهذا، كانت شركاته تعتمد على التخطيط طويل الأجل وإعادة استثمار الأرباح وتوسيع النشاط بصورة مدروسة مع الحرص على بناء إدارات محترفة لا تعتمد على الفرد وحده.
علاقته مع الدولة، رغم تقلب الأنظمة السياسية في السودان بين الحكومات المدنية والعسكرية، حافظ خليل عثمان على علاقة تقوم على الاستثمار والإنتاج أكثر من اعتمادها على الامتيازات السياسية. وتشير شهادات عدد من رجال الاقتصاد إلى أنه كان يفضل المنافسة في السوق والاستثمار في القطاعات الإنتاجية بدلًا من السعي وراء الاحتكارات أو الامتيازات المؤقتة.
الاستثمار في الإنسان، كان من أوائل رجال الأعمال الذين أدركوا أن المصنع لا ينجح بالآلات وحدها وإنما بالعقول التي تديرها. لذلك أولى اهتمامًا كبيرًا بتدريب العاملين وإرسال بعض الكوادر إلى الخارج لاكتساب الخبرات ومنح الشباب السوداني فرصًا للترقي داخل مؤسساته.
وقد خرجت من شركاته أجيال من الإداريين والمهندسين والمحاسبين الذين أصبحوا لاحقًا قيادات في مؤسسات اقتصادية داخل السودان وخارجه.
ماذا يمكن أن يتعلم الجيل الجديد؟، في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوداني اليوم تظل تجربة خليل عثمان مصدرًا مهمًا للدروس، ومن أبرزها:
أن النجاح يبدأ برؤية واضحة لا برأس مال ضخم فقط. وأن الصناعة والزراعة هما أساس الاقتصاد المنتج. وأن الاستثمار طويل الأجل أكثر استدامة من المضاربات. وأن بناء المؤسسات أهم من بناء الثروات الشخصية. وأن المسؤولية الاجتماعية جزء من نجاح أي مشروع اقتصادي.
الحاجة إلى توثيق التجربة، للأسف لم تحظَ تجربة خليل عثمان بما تستحقه من توثيق أكاديمي وإعلامي ومقارنة بما ناله رجال أعمال في دول أخرى. ولا تزال كثير من تفاصيل مسيرته وشركاته واستثماراته وأسلوب إدارته تحتاج إلى دراسات علمية وكتب توثق هذه التجربة للأجيال القادمة.
إن تاريخ الاقتصاد السوداني لا يُكتب من خلال الحكومات والسياسات العامة وحدها بل يُكتب أيضًا من خلال قصص الرجال الذين بنوا المصانع وخلقوا فرص العمل وأسهموا في تكوين الطبقة الصناعية الوطنية. وكان خليل عثمان بلا شك واحدًا من أبرز هؤلاء الرواد.
وفي تقديري، فإن دراسة تجربة خليل عثمان إلى جانب تجارب رجال أعمال سودانيين مثل الشيخ مصطفى الامين واخرين وغيرهم من رواد القطاع الخاص يمكن أن تشكل أساسًا لكتاب متكامل عن تاريخ الرأسمالية الوطنية السودانية وكيف أسهمت في بناء الاقتصاد قبل التحولات الكبرى التي شهدها السودان في العقود الأخيرة.




