بدأت معركة بين رئاسة الفيفا ومنظمي مونديال 2030م

بعد نهاية كاس العالم 2026م
بدأت معركة بين رئاسة الفيفا ومنظمي مونديال 2030م
هل يقود إنفانتينو أكبر تحول في تاريخ كرة القدم أم أن العالم يستعد لقيادة جديدة؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد
في كرة القدم الحديثة لم تعد المنافسة تقتصر على ما يحدث داخل المستطيل الأخضر لكن أصبحت تُحسم أيضاً في غرف الاجتماعات ومراكز صنع القرار، حيث تتداخل السياسة والاقتصاد والإعلام والاستثمار مع الرياضة. ولهذا فإن أي حديث عن انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لا يتعلق بشخص الرئيس فحسب بل بمستقبل اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
وفي هذا السياق، عاد اسم القطري ناصر الخليفي إلى الواجهة بعد تداول تقارير إعلامية تحدثت عن رغبة بعض الدوائر الأوروبية في الدفع به لمنافسة رئيس الفيفا الحالي جياني إنفانتينو في الانتخابات المقبلة. وبغض النظر عن مدى دقة هذه التكهنات فإنها تعكس وجود نقاش حقيقي داخل أسرة كرة القدم حول مستقبل قيادة الفيفا خاصة في ظل التحولات غير المسبوقة التي شهدتها اللعبة خلال العقد الأخير.
ويزداد هذا النقاش أهمية مع اقتراب بطولة كأس العالم 2030 التي ستحمل طابعاً تاريخياً بمناسبة مرور مائة عام على إقامة أول نسخة من البطولة عام 1930 وما يصاحب ذلك من أفكار تتعلق بتوسيع المشاركة وإقامة البطولة في أكثر من دولة.
إنفانتينو هو من ساهم فى إعادة تشكيل كرة القدم العالمية.
منذ وصوله إلى رئاسة الفيفا عام 2016، خلفاً للسويسري جوزيف بلاتر عمل جياني إنفانتينو على إعادة بناء المؤسسة بعد واحدة من أكبر أزمات الفساد في تاريخها.
وخلال السنوات الماضية تضاعفت إيرادات الفيفا بصورة ملحوظة وارتفعت الجوائز المالية للبطولات كما توسعت برامج التطوير التي استفادت منها مئات الاتحادات الوطنية، خصوصاً في إفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا وأمريكا الشمالية.
وقد منح هذا النهج إنفانتينو قاعدة انتخابية واسعة خارج أوروبا، إذ أصبحت العديد من الاتحادات ترى في الفيفا شريكاً تنموياً يوفر التمويل والخبرات الفنية وليس مجرد جهة تنظم البطولات الدولية.
لماذا تبحث أوروبا عن بديل؟
في المقابل، تنظر بعض الاتحادات الأوروبية إلى أن نفوذها التقليدي داخل الفيفا لم يعد بالحجم الذي كان عليه في العقود السابقة.
وقد تعمقت هذه القناعة مع تصاعد الخلافات بين الفيفا والاتحاد الأوروبي لكرة القدم حول ملفات عديدة أبرزها توسيع كأس العالم للأندية وازدحام الروزنامة الدولية وزيادة عدد المباريات وهو ما تعتبره الأندية الأوروبية تهديداً لصحة اللاعبين واستدامة المنافسات المحلية.
ومن هنا برز اسم ناصر الخليفي ليس فقط بوصفه رئيساً لنادي باريس سان جيرمان وإنما أيضاً باعتباره رئيس رابطة الأندية الأوروبية وصاحب شبكة واسعة من العلاقات في عالم الاستثمار والإعلام الرياضي.
لكن تحويل هذا النفوذ إلى أصوات انتخابية داخل الفيفا يظل تحدياً بالغ الصعوبة لأن الانتخابات لا تُحسم داخل أوروبا وحدها.
الانتخابات هى لعبة الأرقام لا النفوذ.
يضم الفيفا أكثر من مائتي اتحاد وطني ولكل اتحاد صوت واحد بصرف النظر عن حجمه أو قوته الكروية.
وهذه القاعدة تجعل الكتل التصويتية في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي وأوقيانوسيا صاحبة التأثير الأكبر في اختيار الرئيس.
ولهذا السبب، فإن أي مرشح يحتاج إلى برنامج تنموي متكامل يطمئن الاتحادات الصغيرة قبل أن يعتمد على الدعم الأوروبي أو الإعلامي.
ومن هنا تبدو حظوظ إنفانتينو قوية نظراً لما حققته برامجه من حضور واسع في القارات النامية بينما يحتاج أي منافس إلى بناء تحالف عالمي يتجاوز حدود القارة الأوروبية.
مونديال 2030 هو احتفال بقرن كامل من التاريخ.
يحمل كأس العالم 2030 قيمة تاريخية استثنائية لأنه يتزامن مع مرور مائة عام على انطلاق أول بطولة في الأوروغواي عام 1930.
ولهذا تسعى الفيفا إلى تقديم نسخة مختلفة تعكس تاريخ البطولة وانتشارها العالمي من خلال تنظيم متعدد الدول والقارات في سابقة تعكس الطبيعة العالمية للعبة.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره رسالة تؤكد أن كأس العالم لم يعد بطولة تخص قارة واحدة وإنما أصبح حدثاً يجمع العالم بأسره.
هل يصبح مونديال 2030 نسخة تضم 64 منتخباً؟
من بين الأفكار التي أُثيرت في إطار الاحتفال بالمئوية مقترح زيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 64 منتخباً في نسخة 2030، بعد أن توسعت البطولة بالفعل إلى 48 منتخباً في نسخة 2026.
ورغم أن الفيفا لم يعتمد هذا المقترح بصورة نهائية فإن مجرد طرحه أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الرياضية.
ويرى المؤيدون أن التوسع يمنح فرصة تاريخية للدول الصاعدة خصوصاً في إفريقيا وآسيا ومنطقة الكاريبي، للمشاركة في أكبر حدث رياضي عالمي كما يعزز انتشار اللعبة ويرفع العوائد التجارية وحقوق البث.
أما المعارضون فيعتقدون أن زيادة عدد المنتخبات قد تؤثر في المستوى الفني لبعض المباريات وتزيد الضغط البدني على اللاعبين كما تفرض تحديات تنظيمية ولوجستية كبيرة.
البطولة في ست دول هى فرصة أم مخاطرة؟
يُعد تنظيم البطولة في عدد كبير من الدول أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش.
فمن الناحية الإيجابية، يسمح هذا النموذج بتوزيع التكلفة الاقتصادية والاستفادة من البنية التحتية القائمة وتقليل الحاجة إلى إنشاء ملاعب جديدة فضلاً عن منح جماهير أكثر من دولة فرصة المشاركة في الحدث العالمي.
كما يعكس هذا النموذج روح التعاون الدولي ويجسد عالمية كرة القدم.
لكن في المقابل، تبرز تحديات معقدة منها اختلاف القوانين والإجراءات بين الدول وتعقيدات التنقل والسفر وتنسيق الجوانب الأمنية واللوجستية إضافة إلى ضمان عدالة المنافسة بين المنتخبات في ظل تباين ظروف الملاعب والمناخ.
هل تستطيع الفيفا إدارة هذا التحول؟
يمثل نجاح أي توسع مستقبلي اختباراً حقيقياً لقدرة الفيفا على إدارة الأحداث الرياضية الكبرى.
فالنجاح لن يقاس بعدد المنتخبات المشاركة أو حجم الإيرادات فقط وإنما بمدى المحافظة على جودة المنافسة وراحة اللاعبين وسهولة تنقل الجماهير، وكفاءة التنظيم.
كما أن الفيفا ستكون مطالبة بالحفاظ على التوازن بين البعد التجاري والبعد الرياضي حتى لا تتحول البطولة إلى مشروع اقتصادي يفقد جزءاً من قيمته الفنية والتاريخية.
انتخابات الفيفا ومستقبل اللعبة
إذا قرر ناصر الخليفي دخول سباق الرئاسة، فإن الانتخابات ستكون من أكثر الانتخابات إثارة منذ سنوات طويلة لأنها ستضع رؤيتين مختلفتين أمام الجمعية العمومية للفيفا.
الأولى تمثل نهج الاستمرارية الذي يقوده جياني إنفانتينو والقائم على التوسع العالمي وتعزيز برامج التنمية وزيادة الموارد المالية.
أما الثانية، إذا تشكلت، فقد تدعو إلى مراجعة سرعة التوسع وإعادة التوازن بين مصالح الأندية والمنتخبات والحفاظ على جودة المنافسات.
وفي جميع الأحوال لن يكون الحسم رهناً بالإعلام أو النفوذ السياسي بل بأصوات الاتحادات الوطنية التي تمتلك القرار النهائي.
تقف كرة القدم العالمية اليوم أمام مرحلة مفصلية من تاريخها. فبين الحديث عن منافسة محتملة على رئاسة الفيفا والمقترحات المتعلقة بتنظيم كأس العالم 2030 بصورة غير مسبوقة تبدو اللعبة مقبلة على تحولات قد تعيد رسم خريطتها لعقود قادمة.
ويبقى السؤال الأهم هز هل يواصل جياني إنفانتينو قيادة مشروعه قائم على توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز الانتشار العالمي أم تنجح شخصية جديدة مثل ناصر الخليفي أو غيره، في تقديم رؤية مختلفة لمستقبل الفيفا؟
ومهما تكن الإجابة، فإن نجاح مونديال 2030، سواء أُقيم في ست دول أو شهد توسعاً جديداً في عدد المنتخبات سيظل الاختبار الأكبر لقدرة الفيفا على الجمع بين الطموح والواقعية وبين المصالح الاقتصادية والحفاظ على جوهر اللعبة حتى تبقى كأس العالم الاحتفال الرياضي الأهم الذي يوحد شعوب العالم تحت راية كرة القدم.




