مقالات

الانتهاكات وخطاب : الكراهيةكيف أعادت الحرب تشكيل الدولة السودانية؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد

منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، لم يعد السودان هو السودان الذي عرفه أبناؤه لعقود. فهذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين تتنازعان السلطة لكنها تحولت إلى أزمة وطنية شاملة أعادت تشكيل المجتمع والدولة والعلاقات بين المواطنين وطرحت أسئلة صعبة حول مستقبل البلاد ووحدتها وهويتها.


لقد خلفت الحرب دماراً واسعاً طال المدن والقرى وأوقفت عجلة الاقتصاد وشردت الملايين داخل السودان وخارجه لكن الخطر الأكبر لم يكن في انهيار المباني أو تدمير البنية التحتية وإنما في ذلك الشرخ العميق الذي أصاب العلاقات الاجتماعية وفي تنامي خطاب الكراهية الذي أخذ يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى أصبح يهدد الأساس الذي تقوم عليه أي دولة وهو الثقة بين مواطنيها.


فالدول لا تسقط فقط عندما تنهزم جيوشها وإنما تسقط أيضاً عندما يفقد المواطن ثقته في أخيه المواطن وعندما تصبح القبيلة أو الجهة أو الإثنية أهم من الوطن ويحل الانتماء الضيق محل مفهوم المواطنة الذي يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات.


لقد شهد السودان خلال هذه الحرب انتهاكات جسيمة مست حياة ملايين الناس. قُتل مدنيون واختفى آخرون قسرياً وتعرضت نساء وأطفال لانتهاكات مروعة ودُمِّرت الأحياء السكنية ونُهبت الممتلكات العامة والخاصة واضطر ملايين السودانيين إلى النزوح أو اللجوء. وهذه الجرائم لا تتوقف آثارها عند الضحايا وحدهم بل تترك ندوباً عميقة في ذاكرة المجتمع وقد تتحول إلى وقود لصراعات جديدة إذا لم تُواجه بالحقيقة والعدالة والمحاسبة.


وفي موازاة الحرب العسكرية اندلعت حرب أخرى لا تقل خطورة هي حرب الكلمات. فقد انتشر خطاب الكراهية بصورة غير مسبوقة خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية حيث امتلأت الساحات العامة بالتحريض والتخوين والتعميم وأصبحت جماعات كاملة تُحمَّل مسؤولية أفعال أفراد أو أطراف مسلحة وهو أمر يناقض العدالة ويهدد وحدة المجتمع.


إن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يكتفي بوصف الواقع لكن يصنع واقعاً جديداً. فهو يغذي الخوف ويعمق الانقسام ويبرر العنف ويجعل التعايش أكثر صعوبة. ومع مرور الوقت تتحول هذه اللغة إلى ثقافة فينشأ الأطفال والشباب وهم يحملون صوراً سلبية عن مكونات وطنهم، فتنتقل الأزمة من جيل إلى آخر.

وللأسف، أعادت الحرب إحياء كثير من الانقسامات القديمة بين المركز والهامش، وبين القبائل والمناطق، وبين المكونات الثقافية المختلفة، بدلاً من أن تدفع الجميع نحو مشروع وطني جامع. وأصبح كثير من الناس ينظرون إلى الآخرين من خلال هوياتهم الضيقة، لا باعتبارهم شركاء في وطن واحد تجمعهم مصالح ومستقبل مشترك.

ولا شك أن بعض القوى السياسية والعسكرية أسهمت في تأجيج هذه الحالة، حين لجأت إلى استدعاء المظالم التاريخية، أو استخدام الخطاب القبلي والجهوي وسيلةً للتعبئة والحشد. وربما تحقق هذه الأساليب مكاسب مؤقتة في زمن الحرب، لكنها تترك آثاراً مدمرة على الدولة يصعب علاجها بعد توقف القتال.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في إسكات صوت البنادق، وإنما في وقف الحرب داخل النفوس. فإعادة بناء الجسور والطرق والمستشفيات ممكنة، مهما بلغت تكلفتها، لكن إعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن هي المهمة الأصعب، لأنها تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وإلى مشروع وطني يعترف بالأخطاء، ويعالج أسبابها، ويمنع تكرارها.

ولهذا فإن العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية. فلا يمكن تحقيق سلام مستدام دون كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، وتعويض المتضررين، وجبر الضرر، وضمان عدم الإفلات من العقاب. فالسلام الذي يقوم على تجاهل المظالم أو دفنها سرعان ما ينهار مع أول أزمة.

وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة خطاب الكراهية تحتاج إلى جهد وطني واسع تشارك فيه مؤسسات الدولة والإعلام والمدارس والجامعات ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني. فالمطلوب ليس فقط تجريم التحريض، وإنما بناء ثقافة جديدة تقوم على احترام التنوع، وقبول الاختلاف، وتعزيز قيم المواطنة والعيش المشترك.

كما تقع مسؤولية كبيرة على عاتق النخب السياسية والفكرية والإعلامية، لأن الكلمات التي تُقال في أوقات الأزمات قد تبني جسوراً بين الناس، وقد تشعل حرائق يصعب إطفاؤها. ولذلك فإن السودان بحاجة إلى خطاب وطني جامع يضع مستقبل البلاد فوق المصالح الحزبية والقبلية والجهوية.

لقد أثبت تاريخ السودان أن التنوع لم يكن يوماً سبباً في الأزمات، وإنما كانت المشكلة دائماً في طريقة إدارة هذا التنوع. فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات والأديان، وهذه الحقيقة يمكن أن تكون مصدر قوة إذا قامت الدولة على أساس المواطنة والعدالة والمساواة، ويمكن أن تتحول إلى مصدر صراع إذا استُخدمت الهويات الضيقة وسيلة للإقصاء والتمييز.

واليوم يقف السودان أمام لحظة فاصلة في تاريخه. فإما أن تكون هذه الحرب بداية مراجعة وطنية شاملة تؤسس لدولة حديثة يسودها القانون، وتحترم حقوق الإنسان، ويتساوى فيها جميع المواطنين دون تمييز، وإما أن تستمر دوامة الانقسامات، فتظل البلاد أسيرة دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.

إن إعادة بناء السودان لا تبدأ بالإسمنت والحديد، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني، واستعادة الثقة بين أبناء الوطن، وترسيخ الإيمان بأن لا مستقبل لأي فئة بمعزل عن الأخرى، وأن السودان لن ينهض إلا بجميع أبنائه.

ويبقى الدرس الأكبر الذي يجب أن نتعلمه من هذه الحرب أن الكراهية لا تبني وطناً، وأن الانتقام لا يصنع سلاماً، وأن العدالة وحدها هي التي تفتح الطريق للمصالحة، وأن المواطنة هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.

قد تُعاد إعمار المدن خلال سنوات، لكن إعادة إعمار النفوس تحتاج إلى وقت أطول وإلى إرادة أقوى. ولذلك فإن معركة السودان القادمة ليست معركة السلاح، بل معركة الوعي، وسيادة القانون، وبناء الثقة، وترسيخ قيم المواطنة. فإذا نجح السودانيون في كسب هذه المعركة، فإنهم لن يعيدوا بناء ما دمرته الحرب فحسب، بل سيؤسسون لوطن أكثر عدلاً وتماسكاً واستقراراً، يليق بتضحيات شعبه وتاريخه ومستقبل أجياله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى