رياضة

مقصلة المونديال : هل يدفع المدرب وحده ثمن الإخفاق أم أن الأزمة أعمق من مقاعد البدلاء؟

مقصلة المونديال
هل يدفع المدرب وحده ثمن الإخفاق أم أن الأزمة أعمق من مقاعد البدلاء؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث

في كل نسخة من كأس العالم لا تتوقف المنافسة عند حدود المستطيل الأخضر لكنها تمتد إلى المكاتب الإدارية وغرف الاجتماعات حيث تبدأ مرحلة البحث عن المسؤول الأول عن الإخفاق. وما إن تنتهي رحلة أي منتخب حتى تتجه الأنظار مباشرة إلى المدير الفني وكأن إقالته أصبحت الطقس الرسمي الذي يسبق فتح صفحة جديدة.


وفي كأس العالم 2026، تحولت البطولة إلى ما يشبه مقصلة للمدربين بعدما غادر ثلاثة عشر مديرًا فنيًا مناصبهم خلال أيام قليلة في مشهد يعكس حجم الضغوط التي باتت تحكم كرة القدم الحديثة. فمن المكسيك إلى غانا ومن ألمانيا إلى هولندا والجزائر وتونس تكررت القصة ذاتها خروج من البطولة ثم إعلان الاستقالة أو الإقالة وكأن تغيير المدرب هو الوصفة السحرية لاستعادة أمجاد المنتخبات.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو هل المدرب هو المسؤول الحقيقي عن الإخفاق؟ أم أن تحميله كامل المسؤولية أصبح أسهل الحلول لإخفاء أزمات أعمق تتعلق بالإدارة والتخطيط وتطوير كرة القدم؟
ام لان المدرب هو الحلقة الأضعف؟
يرى كثير من خبراء كرة القدم أن المدرب هو الحلقة الأكثر عرضة للمحاسبة لأنه الشخص الظاهر أمام الجماهير والإعلام بينما تبقى بقية عناصر المنظومة بعيدة عن دائرة الاتهام.
فالمدير الفني لا يصنع جيلاً كاملاً خلال أشهر قليلة ولا يستطيع تعويض سنوات من ضعف إعداد اللاعبين أو غياب التخطيط الاستراتيجي ومع ذلك يكون أول من يغادر.
لقد أثبتت التجارب أن الإقالات المتكررة قد تمنح الجماهير شعورًا مؤقتًا بأن الاتحاد يتحرك لكنها لا تعالج جذور المشكلة.
هل التغيير فى الإدارة هى البداية الحقيقية للنجاح أو الفشل؟
تؤكد المدارس الحديثة في الإدارة الرياضية أن نجاح المنتخبات يبدأ من مجالس إدارات الاتحادات وليس من المنطقة الفنية فقط.


فالمنتخب الذي يمتلك رؤية تمتد لعشر سنوات يختلف جذريًا عن منتخب يتحرك وفق ردود الأفعال. ومن أهم أسباب الإخفاق الإداري هى
غياب استراتيجية وطنية لتطوير كرة القدم. وكثرة تغيير الأجهزة الفنية. وضعف الاستثمار في الفئات السنية. والتدخل الإداري في القرارات الفنية. وغياب مراكز التحليل والإحصاء الحديثة. وضعف إعداد المباريات الودية أمام مدارس كروية متنوعة.


ولذلك فإن تغيير المدرب دون إصلاح هذه الجوانب يشبه تغيير قائد السفينة بينما يبقى هيكلها يعاني من الثقوب.
من الجانب الفني هل كان المدرب مخطئًا؟
لا يمكن إعفاء المدربين تمامًا من المسؤولية. فبعض المنتخبات ارتكبت أخطاء فنية واضحة منها
سوء اختيار القوائم النهائي والاعتماد على أسماء فقدت جاهزيتها. والتأخر في إجراء التبديلات. وعدم قراءة المنافس بصورة صحيحة. وضعف المرونة التكتيكية أثناء المباريات. وفي كرة القدم الحديثة أصبح المدرب مطالبًا بإدارة المباراة لحظة بلحظة وليس الاكتفاء بوضع خطة قبل صافرة البداية.
ولهذا فإن بعض الإقالات كانت مبررة بينما بدا بعضها الآخر متسرعًا.


من هنا نجد ان التكتيك وحده لا يكفي وحيث شهد مونديال 2026 تطورًا كبيرًا في الفكر التكتيكي.
فالمنتخبات التي واصلت المشوار لم تعتمد على طريقة لعب ثابتة بل امتلكت القدرة على تغيير الرسم التكتيكي أكثر من مرة داخل المباراة الواحدة.


فالضغط العالي يتحول إلى دفاع متوسط ثم إلى هجوم مرتد خلال دقائق معدودة.
وأما بعض المنتخبات التي ودعت البطولة فظلت أسيرة أسلوب واحد الأمر الذي سهّل مهمة المنافسين.
وهنا تظهر قيمة المدرب القادر على الابتكار لا مجرد حفظ الخطط التقليدية.


والتكنولوجيا أصبحت لاعبًا إضافيًا ولم تعد كرة القدم تعتمد فقط على الموهبة. فالمنتخبات الكبرى أصبحت تمتلك فرقًا متخصصة لتحليل البيانات. وخبراء في الذكاء الاصطناعي. وأنظمة تتبع حركة اللاعبين. وبرامج لقياس الأحمال البدنية. وتحليل فيديو متقدم لكل منافس. وبل إن بعض المنتخبات تدخل المباراة وهي تمتلك آلاف البيانات عن كل لاعب في الفريق المنافس.


أما كثير من المنتخبات الأخرى فما زالت تعتمد على اجتهادات فردية وهو ما ينعكس مباشرة على النتائج.
الفئات السنية هى المصنع الحقيقي للأبطال لا يمكن صناعة منتخب قوي دون قاعدة إنتاج مستمرة.
فالمنتخبات التي تنافس باستمرار على الألقاب لا تعتمد على جيل واحد لكنها تمتلك منظومة متكاملة تبدأ من الأكاديميات والمدارس الكروية.


ولهذا نرى أن بعض الدول تخرج من بطولة ثم تعود بعدها أقوى لأن لديها مصنعًا دائمًا لإنتاج المواهب.
أما الدول التي تعتمد على مجموعة لاعبين فقط فإنها تدخل في مرحلة تراجع طويلة بمجرد اعتزال ذلك الجيل.
ان الجانب النفسي هو البطولة التي تحسمها التفاصيل
ويشير علماء النفس الرياضي إلى أن الضغط النفسي في كأس العالم يفوق أي بطولة أخرى.


ولهذا أصبحت المنتخبات الكبرى تصطحب معها متخصصين في علم النفس الرياضي. وإدارة الضغوط.
والتحفيز الذهني. والتركيز الذهني أثناء المباريات.
وقد ظهر بوضوح أن بعض المنتخبات فقدت توازنها بعد استقبال هدف واحد بينما نجحت منتخبات أخرى في العودة رغم التأخر وهو ما يعكس الفارق في الإعداد النفسي.


هل كثرة الإقالات تحقق النجاح؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع لا. فالدراسات الرياضية تشير إلى أن الاستقرار الفني غالبًا ما يحقق نتائج أفضل من التغيير المستمر. فالمدرب يحتاج إلى الوقت حتى يفرض فلسفته. ويطور اللاعبين. ويبني هوية تكتيكية. ويكتشف المواهب. ويكوّن شخصية المنتخب.
ولذلك فإن المنتخبات التي تغير مدربيها كل عامين غالبًا ما تبدأ من الصفر في كل مرة.


ماذا يقول خبراء كرة القدم؟
يرى العديد من الخبراء أن إخفاق المنتخبات في البطولات الكبرى لا يمكن اختزاله في اسم المدرب وحده. ويجمع المحللون على أن كرة القدم أصبحت مشروعًا مؤسسيًا متكاملًا، يبدأ من التخطيط طويل المدى ومرورًا بتطوير المواهب وانتهاءً بالاستفادة من العلوم الرياضية والتقنيات الحديثة.
كما يؤكد خبراء التدريب أن المنتخب الناجح هو الذي يمتلك هوية واضحة تستمر حتى مع تغير المدرب، بحيث يصبح المدير الفني جزءًا من المشروع، لا المشروع بأكمله.


ويشير خبراء الأداء البدني إلى أن الفوارق بين المنتخبات الكبرى لم تعد تعتمد فقط على المهارة بل على جودة الإعداد البدني والاستشفاء وتحليل البيانات وهي عوامل قد تحسم مباراة كاملة.
أما خبراء الإدارة الرياضية فيؤكدون أن الاتحادات الناجحة لا تتخذ قراراتها تحت ضغط الجماهير أو الإعلام وإنما وفق تقييم علمي شامل يشمل الأداء والنتائج وخطة التطوير.


كيف تصنع هذه الدول مستقبلًا أفضل لكرة القدم؟
إذا أرادت هذه المنتخبات العودة بقوة فإن الطريق لا يبدأ من الإعلان عن مدرب جديد لكنه من بناء مشروع وطني طويل الأمد يقوم على تطوير مسابقات الدوري المحلي. والاستثمار في أكاديميات الناشئين. وتأهيل المدربين الوطنيين وفق أحدث المناهج. وتوسيع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التحليل. وتعزيز البحث العلمي في علوم الرياضة.
وإنشاء مراكز وطنية لاكتشاف المواهب. ومنح الأجهزة الفنية الوقت الكافي للعمل. واعتماد مؤشرات أداء واضحة لتقييم العمل بعيدًا عن ردود الأفعال.
فالمنتخبات التي نجحت عالميًا لم تصل إلى القمة بالمصادفة بل عبر مشاريع استمرت سنوات طويلة.


فمنافسات كأس العالم لا ترحم لكنها أيضًا لا تكذب. وهى تكشف في تسعين دقيقة حصيلة سنوات من التخطيط أو الارتجال. وإقالة ثلاثة عشر مدربًا بعد مونديال 2026 قد تمنح الاتحادات فرصة لتهدئة الغضب الجماهيري لكنها لن تكون كافية إذا لم تُراجع المنظومة بأكملها.


لقد دخلت كرة القدم عصرًا جديدًا لم يعد فيه الفوز رهين موهبة لاعب أو عبقرية مدرب فحسب بل ثمرة إدارة احترافية ورؤية استراتيجية واستثمار في الإنسان والتقنية والمعرفة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس من هو المدرب القادم؟ لكنه ما المشروع الكروي الذي سيقود المنتخب في السنوات العشر المقبلة؟


وعندما يصبح المدرب جزءًا من مشروع مؤسسي متكامل لا كبش فداء لإخفاقات متراكمة عندها فقط يمكن لهذه المنتخبات أن تتحول من مجرد مشاركة ومشرفة إلى منافس دائم على لقب كأس العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى