سياسة

اللاجئات السودانيات في دول الجوار.. هل تحولت رحلة البحث عن الأمان إلى دائرة جديدة من الاستغلال؟

اللاجئات السودانيات في دول الجوار.. هل تحولت رحلة البحث عن الأمان إلى دائرة جديدة من الاستغلال؟

قضية اللاجئات السودانيات في شرق تشاد  تعكس جانباً مؤلماً من تداعيات الحرب يتجاوز فقدان المنازل والأرزاق إلى تهديد الكرامة الإنسانية

تقرير : شادية عبد الله

منذ اندلاع الحرب في السودان اضطرت ملايين الأسر إلى الفرار من منازلها بحثاً عن الأمان داخل البلاد وخارجها. وبينما كانت النساء والفتيات من أكثر الفئات تضرراً من النزاع، كشفت مؤخراً نتائج تحقيقات داخلية أجرتها منظمة أطباء بلا حدود عن وقوع حالات استغلال واعتداء جنسي بحق لاجئات سودانيات في شرق تشاد، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول مستوى الحماية المتوفرة للنساء داخل مخيمات اللجوء.

▪︎صدمة داخل فضاءات الحماية
أثارت نتائج التحقيقات ردود فعل واسعة وسط الأوساط الحقوقية والإنسانية خاصة بعد تأكيد عشرات الشكاوى واتخاذ إجراءات تأديبية بحق عدد من الموظفين المتورطين.
ويرى مراقبون أن خطورة القضية لا تكمن فقط في وقوع الانتهاكات، بل في حدوثها داخل مؤسسات يفترض أن تكون ملاذاً آمناً للنساء الهاربات من ويلات الحرب. وتقول الناشطة في مجال حقوق المرأة اسراء علي
“النساء اللاجئات يواجهن أوضاعاً معقدة للغاية، فهن فقدن مصادر الدخل وشبكات الحماية الأسرية والاجتماعية، ما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال بأشكاله المختلفة”

▪︎أرقام تعكس حجم الأزمة
وفقاً لتقارير الأمم المتحدة أدت الحرب السودانية إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح واللجوء في العالم، حيث اضطر ملايين السودانيين إلى النزوح داخلياً أو اللجوء إلى دول الجوار، من بينها تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى.ويؤكد خبراء العمل الإنساني أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من اللاجئين  وهي فئات تواجه مخاطر متزايدة تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، والزواج القسري، والاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي.

▪︎الهشاشة الاقتصادية بوابة للاستغلال
الباحث الاجتماعي الدكتور الصادق عبد الرحمن يوضح أن النزوح لا يعني فقط فقدان المأوى، بل فقدان القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.
ويقول: “عندما تجد المرأة نفسها مسؤولة عن إعالة أطفالها في بيئة تفتقر إلى فرص العمل والدخل، تصبح أكثر عرضة للابتزاز والاستغلال من قبل أفراد أو جهات تستغل حاجتها.”
ويضيف أن ضعف الرقابة داخل بعض المخيمات  إضافة إلى محدودية آليات الإبلاغ يؤديان إلى تفاقم المشكلة.

▪︎التحفظ سيد الموقف ؟
تشير مختصات في الدعم النفسي والاجتماعي إلى أن كثيراً من الناجيات يفضلن الصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام أو فقدان المساعدات الإنسانية. وتوضح الأخصائية النفسية  اميمه حسن
“الناجية غالباً ما تشعر بالخوف والذنب والعار رغم أنها الضحية، كما أن بعض النساء يفتقدن الثقة في أن شكواهن ستؤخذ على محمل الجد.” وتؤكد أن توفير قنوات سرية وآمنة للإبلاغ يعد من أهم وسائل الحماية.

▪︎الشفافية والوضوح
رحبت منظمات مدنية سودانية من بينها منتدى التحول المدني والدستوري في السودان بالخطوات التي اتخذتها منظمة أطباء بلا حدود في التحقيق ومحاسبة المتورطين، معتبرة أن الشفافية والاعتراف بالمشكلة يمثلان خطوة مهمة نحو العدالة. لكن المنتدى شدد على أن الإجراءات التأديبية وحدها لا تكفي داعياً إلى بناء أنظمة رقابية مستقلة وتعزيز إجراءات الوقاية ومنع تكرار الانتهاكات.

▪︎ما المطلوب لحماية اللاجئات؟
يرى مختصون أن حماية النساء السودانيات في مخيمات اللجوء تتطلب حزمة من الإجراءات تشمل:
تعزيز الرقابة على العاملين في المجال الإنساني.
إنشاء آليات مستقلة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها.
إشراك النساء اللاجئات في لجان الحماية المجتمعية.
توفير خدمات الدعم النفسي والقانوني للناجيات.
تدريب العاملين على سياسات منع الاستغلال والاعتداء الجنسي.
زيادة التنسيق بين الحكومات والمنظمات الدولية لحماية الفئات الأكثر هشاشة.

▪︎الحرب جذر  للمأساة
بينما يري مراقبون  أن معالجة الظاهرة بصورة جذرية ترتبط بإنهاء الحرب نفسها، إذ إن استمرار النزاع يؤدي إلى اتساع دائرة النزوح وتفاقم الأوضاع الإنسانية. فكلما طال أمد الحرب ازدادت أعداد النساء والأطفال الذين يجدون أنفسهم في أوضاع هشة تجعلهم أكثر عرضة لمختلف أشكال الانتهاكات.

▪︎خاتمة
تكشف قضية اللاجئات السودانيات في شرق تشاد جانباً مؤلماً من تداعيات الحرب يتجاوز فقدان المنازل والأرزاق إلى تهديد الكرامة الإنسانية نفسها. وبينما تمثل المحاسبة خطوة مهمة نحو العدالة، فإن التحدي الأكبر يبقى في بناء منظومات حماية فعالة تضمن ألا تتحول مخيمات اللجوء ومراكز الإغاثة إلى أماكن جديدة للخوف والمعاناة بالنسبة للنساء اللاتي فررن أصلاً بحثاً عن الأمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى