سياسة

سبع سنوات على جريمة فض الاعتصام:العدالة الغائبة والحرب الحاضرة وإعادة إنتاج الأزمة


تقرير : حسين سعد


غدا تطل علينا الذكري السابعة لمذبحة اعتصام القيادة العامة بالخرطوم في ذلك الصباح الحزين الموافق الثالث من يونيو ٢٠١٩م لم تكن الخيام المنصوبة أمام القيادة العامة مجرد أقمشة تحمي الثوار من لهيب و حرارة الشمس، بل كانت وطناً صغيراً بناه السودانيون بأحلامهم
هناك التقى أبناء الهامش بالمركز، والطلاب بالمزارعين، والنساء بالشباب، وتوحد الجميع حول حلم بسيط وعظيم في آن واحد: أن يصبح السودان بلداً للحرية والسلام والعدالة، ومحاربة العنصرية والكراهية ، كانت ساحة القيادة العامة بالخرطوم تشبه السودان الذي حلم به الملايين طويلاً..


هناك، تحت ظلال الخيام وعلى وقع الهتافات والأغنيات الوطنية، اجتمع شباب وشابات من مختلف أنحاء البلاد. لم يسأل أحد عن القبيلة أو الجهة أو اللون أو الانتماء السياسي. بل كان الهاتف الداوي ( يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور) كان الجميع يحمل حلماً واحداً: وطن يتسع للجميع، تحكمه الحرية والسلام والعدالة.


في تلك الساحة، وُلدت قصص تضامن استثنائية. كانت الأمهات يرسلن الطعام للمعتصمين، والأطباء يعالجون المرضى طوعاً، والفنانون يرسمون ملامح السودان الجديد على الجدران. والصحفيون والمعلمون والمهندسون والمزارعون الناس كل الناس كانوا هناك
لكن فجر الثالث من يونيو 2019 ، حمل وجهاً آخر للتاريخ فبينما كان المعتصمون يستعدون لاستقبال يوم جديد من أيام الثورة، تحولت ساحة الحلم إلى مسرح لإحدى أكثر الأحداث دموية في تاريخ السودان الحديث.


ولم تكن الخسائر مجرد أرقام في سجلات المنظمات والتقارير، بل كانت حياة كاملة توقفت فجأة طلاب كانوا ينتظرون التخرج، وشباباً كانوا يحلمون بوظائف وفرص جديدة، وأسر فقدت أبناءها دون أن تعرف حتى اليوم كيف كانت لحظاتهم الأخيرة.


ومنذ ذلك اليوم، أصبح اسم ” جريمة فض الاعتصام” مرادفاً لأحد أكبر الجروح المفتوحة في الذاكرة السودانية المعاصرة، سبع سنوات مرت على فض اعتصام القيادة العامة، لكن الجريمة لم تتحول إلى ذكرى عابرة. فما زالت الأسئلة معلقة، وما زالت أسر الشهداء تنتظر العدالة، وما زال السودان يدفع ثمن الفشل في مواجهة تلك اللحظة المفصلية.

الجريمة التي لم تغادر الذاكرة:

لم يكن فض الاعتصام مجرد حدث أمني أو مواجهة سياسية عابرة، بل شكل نقطة فاصلة في مسار الثورة السودانية، ومنذ ذلك اليوم أصبحت العدالة مطلباً مركزياً للثورة، ورفع السودانيون شعار “القصاص للشهداء” باعتباره شرطاً أخلاقياً وسياسياً لبناء الدولة الجديدة غير أن ما حدث لاحقاً كشف حجم الفجوة بين الشعارات والواقع.


العدالة التي تعطلت مع تشكيل الحكومة الانتقالية، اعتقد كثيرون أن ملف فض الاعتصام سيكون على رأس الأولويات.
لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن العدالة لم تتقدم بالسرعة التي انتظرها الشارع.


تشكلت لجان تحقيق، وعُقدت اجتماعات ومؤتمرات صحفية، وتكررت الوعود الرسمية، غير أن القضية ظلت تراوح مكانها دون الوصول إلى نتائج حاسمة ترضي أسر الضحايا أو تلبي تطلعات الشارع الثوري.


وبالنسبة لبعض المراقبين ، فإن أحد أكبر إخفاقات الفترة الانتقالية تمثل في العجز عن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي صاحبت الثورة.
لقد نجحت الحكومة الانتقالية في إدارة بعض الملفات بحسب البعض ، لكنها فشلت في تحويل مطلب العدالة إلى واقع ملموس، الأمر الذي أضعف ثقة الشارع في مؤسسات الانتقال وأبقى جرح الشهداء مفتوحاً.


و يرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن أخطر ما أنتجه التعثر في ملف فض الاعتصام لم يكن فقط حرمان الضحايا من حقوقهم، بل تكريس ثقافة الإفلات من العقاب فعندما لا تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الكبرى، تتراجع هيبة القانون وتتسع دائرة العنف.


وقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن تجاهل العدالة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يخلق أزمات جديدة أكثر تعقيداً. بالسودان بدت هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى فالدولة التي عجزت عن حسم ملفات العدالة الانتقالية وجدت نفسها لاحقاً أمام انهيار سياسي وأمني واسع انتهى بحرب شاملة ما تزال تدمر البلاد حتى اليوم.

من مجزرة القيادة إلى الحرب :

عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، لم يكن السودانيون يواجهون مجرد صراع عسكري بين طرفين مسلحين، بل كانوا يواجهون حصيلة سنوات من الفشل السياسي والمؤسسي.
انهارت المدن، ونزح الملايين، وفقد آلاف المدنيين حياتهم، وتعرضت النساء والأطفال لانتهاكات واسعة، بينما تحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وبالنسبة لكثير من الناشطين، فإن هناك خيطاً يربط بين مجزرة فض الاعتصام والحرب الحالية.


ذلك الخيط هو غياب المساءلة وضعف المؤسسات المدنية واستمرار النفوذ العسكري والأمني داخل المشهد السياسي دون إصلاح حقيقي فالقضايا
التي ظلت مؤجلة منذ الثورة عادت لاحقاً بصورة أكثر عنفاً ودموية.
لقد تحولت دماء الشهداء التي لم تجد العدالة إلى جراح جديدة تنزف في أنحاء السودان.

التسوية السياسية.. هل تعيد إنتاج الأزمة؟

وبينما ما تزال الحرب مستمرة، برزت مجدداً دعوات ومبادرات للتسوية السياسية واجتماعات تلتئم وتنفض باعتبارها مخرجاً للأزمة الراهنة.
غير أن هذه الدعوات تواجه انتقادات متزايدة من قطاعات واسعة من أسر الشهداء والناشطين ولجان المقاومة والقوى الديمقراطية.
ويستند المنتقدون إلى تجربة السنوات الماضية، حيث يرون أن التسويات السياسية التي تتجاوز مطالب العدالة والمحاسبة لا تؤدي إلى معالجة جذور الأزمة، بل تعيد إنتاجها في أشكال جديدة.
ويحذر هؤلاء من أن أي اتفاق سياسي جديد لا يضع العدالة الانتقالية والمساءلة في صلب العملية السياسية قد يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل.
فالسودانيون، بحسب هذا الرأي، لا يحتاجون فقط إلى وقف الحرب، بل إلى معالجة الأسباب التي قادت إليها منذ البداية..
ذاكرة تقاوم النسيان:

ورغم الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، لا تزال صور الشهداء حاضرة في الشوارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي وفي وجدان آلاف الأسر. ففي كل عام تعود الأسماء والوجوه والقصص
يعود الطالب الذي لم يكمل دراسته، والطبيبة التي كانت تحلم بخدمة بلادها، والشاب الذي خرج بحثاً عن وطن أفضل ولم يعد إلى منزله.
إنها ذاكرة تقاوم النسيان، لأن أصحابها يدركون أن طمس الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو تكرار المأساة.

الخاتمة من المحرر:

بعد سبع سنوات من فض اعتصام القيادة العامة، تبدو المأساة أكبر من مجرد ملف جنائي لم يُغلق بعد.
فهي قصة وطن لم يستطع أن ينتصر لشهدائه، فوجد نفسه يغرق في حرب جديدة.


وقصة ثورة رفعت شعار “حرية، سلام، وعدالة”، لكن العدالة ظلت الحلقة الأضعف في معادلة الانتقال. وقصة شعب ما يزال يبحث عن إجابة لسؤال بسيط ومعقد في آن واحد: هل يمكن بناء سلام حقيقي دون حقيقة؟ وهل يمكن تأسيس دولة مستقرة فوق جراح لم تلتئم؟ ربما تغيرت الحكومات، وتعاقبت المبادرات والتسويات، واشتعلت الحروب، لكن الحقيقة التي ما تزال تفرض نفسها بعد سبع سنوات هي أن دماء الشهداء لم تكن تطالب بالثأر، بل كانت تطالب بدولة قانون
وما لم تتحقق هذه الدولة، فإن السودان سيظل يدور في الحلقة ذاتها؛ من أزمة إلى أخرى، ومن تسوية إلى أخرى، ومن جرح مفتوح إلى جرح أكثر عمقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى