السجن مقابل الكلمة.. هل أصبح القلم جريمة في السودان (١-2)

تقرير: حسين سعد
لم تعد محاكمة الصحفيين في السودان مجرد إجراءات قضائية معزولة أو خلافات قانونية حول مواد منشورة، بل تحولت خلال سنوات الحرب والانهيار المؤسسي إلى أحد أخطر مظاهر تقييد المجال العام وإسكات الأصوات الناقدة.
وفي ظل واقع سياسي مضطرب، وتآكل الضمانات الدستورية، وتوسع استخدام القوانين الجنائية في مواجهة العمل الصحفي، بات الصحفي السوداني أمام معادلة قاسية: إما الصمت، أو المحاكم والسجون والغرامات الباهظة.
ولا تكمن خطورة هذه المحاكمات في الأحكام وحدها، بل في الرسائل السياسية والقانونية التي تحملها؛ إذ يجري التعامل مع المقال الصحفي أو التحقيق الاستقصائي باعتباره “جريمة معلوماتية” أو “تهديداً للنظام العام”، بدلاً من اعتباره ممارسة مشروعة لحق دستوري أصيل تكفله الدساتير والمواثيق الدولية، وهو الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات ومراقبة أداء السلطة العامة.
حكم قضائي..
في هذا السياق، يبرز الحكم الصادر بحق الصحفية راشان أوشي بوصفه نموذجاً كاشفاً لتعقيدات المشهد القانوني والإعلامي في البلاد، ليس فقط بسبب قسوته، وإنما لما يثيره من أسئلة حول طبيعة تطبيق القانون وحدود حرية التعبير.
فقد أصدرت محكمة مكافحة جرائم المعلوماتية بمجمع محاكم بورتسودان حكماً قضى بالسجن لمدة عام والغرامة عشرة ملايين جنيه بحق الصحفية، على خلفية منشور عبر منصة “فيسبوك”، اتهمت فيه أحد المسؤولين السابقين بالفساد المالي.
وبحسب ما ورد في حيثيات الحكم، فإن المحكمة اعتبرت أن المتهمة لم تقدم ما يثبت صحة الاتهامات الواردة في المنشور، ما أدى إلى إدانتها وفق المواد محل الدعوى، مع تنفيذ عقوبة السجن ونقلها إلى المؤسسة العقابية.
أولاً: توظيف قانون المعلوماتية خارج سياقه
ويقول مدافعون عن حرية الصحافة وحرية التعبير ان إحدى أبرز الإشكالات القانونية في هذا الحكم تتمثل في إحالة مادة منشورة ذات طابع صحفي إلى محكمة جرائم المعلوماتية، بدلاً من إخضاعها لقانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009، وهو القانون المختص بتنظيم العمل الصحفي.
. قضايا الرأي العام..
وأشار وا الي إن قانون جرائم المعلوماتية صُمم أساساً لمكافحة الجرائم الإلكترونية ذات الطبيعة التقنية، مثل الاختراق والتخريب الرقمي، وليس لمعالجة قضايا الرأي والتعبير.
غير أن الواقع العملي يكشف عن توسع متزايد في استخدام هذا القانون لمعاقبة المحتوى الصحفي، عبر نصوص فضفاضة مثل “النشر الضار” و“إشانة السمعة أو التشهير”، ما يفتح الباب أمام تحويل العمل الصحفي إلى فعل جنائي، ويقود إلى تقييد حرية الصحافة بصورة غير مباشرة.
إشكالية دستورية وحقوقية..
وقالوا ان الحكم يثير إشكالية دستورية واضحة، لكونه يمس جوهر الحقوق الأساسية المكفولة في الوثيقة الدستورية والمواثيق الدولية، وعلى رأسها حرية التعبير وحرية الصحافة.
فالقاعدة الدستورية المستقرة تقضي بضرورة تفسير القوانين الأدنى بما لا يتعارض مع الدستور، لا استخدامها لتعطيل الحقوق التي ينص عليها.
إلا أن تطبيق النصوص الجنائية في هذه القضية جاء دون تحقيق توازن كافٍ بين حماية السمعة الشخصية وحق المجتمع في الرقابة والمساءلة.
كما أن المواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تعتبر أن العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر تمثل إجراءً غير متناسب مع طبيعة الفعل، وتؤدي إلى تقييد غير مشروع لحرية التعبير.
ازدواج العقوبة وتحول الردع إلى لترهيب..
من الجوانب المثيرة للجدل أيضاً في هذه القضية، الجمع بين أكثر من مادة قانونية على فعل نشر واحد، بما يفتح الباب أمام شبهة “تعدد العقوبات” على ذات الفعل.
كما أن الجمع بين السجن والغرامة المالية الضخمة، مع التهديد بالسجن في حال عدم السداد، يحول العقوبة من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة ضغط اقتصادي ونفسي، قد تؤدي إلى إرهاق الصحفيين وردع غيرهم عن ممارسة عملهم.
وهنا يبرز سؤال جوهري حول التناسب بين الفعل والعقوبة، ومدى انسجام ذلك مع مبادئ العدالة الجنائية.
المصلحة العامة وحق النقد..
وأشار وا الي ان الأنظمة الديمقراطية تتعامل مع النقد الموجه للمسؤولين العموميين باعتباره جزءاً من الرقابة المجتمعية، وليس اعتداءً شخصياً، طالما ارتبط بالمصلحة العامة وحسن النية.
غير أن هذه القضية تعكس إشكالاً في التعامل مع النقد الصحفي، حيث جرى النظر إليه من زاوية التشهير الجنائي، دون اعتبار لطبيعة الوظيفة الرقابية للصحافة.
كما أن اشتراط تقديم أدلة قطعية على وقائع قد تكون مرتبطة بمؤسسات مغلقة أو ملفات غير متاحة للعامة، يمثل عبئاً غير واقعي على الصحافة الاستقصائية، التي تعتمد على كشف المؤشرات وفتح ملفات الفساد أمام التحقيق الرسمي.
الصحافة بين الحماية والعقاب.
تعكس هذه القضية اتجاهاً مقلقاً نحو تضييق المجال العام في السودان، خاصة في ظل الحرب والانقسام السياسي وتراجع استقلال المؤسسات العدلية.
فبدلاً من حماية الصحفيين باعتبارهم جزءاً من منظومة كشف الحقيقة، يجري التعامل معهم كطرف خصم في مواجهة مع الدولة أو المجتمع، ما يهدد جوهر الوظيفة الصحفية.
إن محاكمة الصحفيين بعقوبات سالبة للحرية لا تمس الأفراد وحدهم، بل تهدد حق المجتمع بأكمله في المعرفة، وتدفع نحو بيئة من الصمت والخوف بدلاً من الشفافية والمساءلة.
إفادات ومواقف مهنية
يؤكد سكرتير نقابة الصحفيين، محمد عبد العزيز، في حديثه مع مدنية نيوز أن محاكمة الصحفيين بسبب آرائهم أو موادهم المنشورة تمثل انتهاكاً مباشراً للمادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللتين تكفلان حرية التعبير وتداول المعلومات.
ويشير إلى أن واقع الصحافة في السودان وصل إلى مرحلة “كارثية”، حيث بات الصحفيون يواجهون الاستقطاب والملاحقات القضائية والاعتقال والتهديد المباشر، في بيئة عمل وصفها بأنها “منطقة خطر دائم”.
المرتبة 161 عالمياً
من جهته، أوضح الدكتور عباس التجاني، المدير التنفيذي لمركز “سلاميديا”، في حديثه لـ”مدنية نيوز”، أن السودان يشهد تراجعاً حاداً في مؤشر حرية الصحافة، حيث يحتل المرتبة (161) عالمياً في ظل تصاعد الانتهاكات، مقابل صمود لافت للصحفيين الذين حاز بعضهم على تقديرات دولية، بينها جوائز من اليونسكو.
وأضاف أن العاملين في الحقل الإعلامي في السودان يتعرضون لانتهاكات جسيمة توثقها تقارير دولية ومحلية، من بينها تقارير نقابة الصحفيين، وتشمل الاعتقالات التعسفية، والاعتداءات الجسدية، والتهديدات المباشرة، إلى جانب تسجيل حالات فقدان أرواح وسط الكوادر الصحفية خلال الحرب.
وأشار إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يهدد مستقبل العمل الصحفي، ويؤدي إلى هجرة الكفاءات الإعلامية وتراجع دور الصحافة المهنية في مراقبة الانتهاكات وكشف الحقائق.
الخاتمة.. الحرب والانقسامات..
في ظل الحرب والانقسامات، تبدو حرية الصحافة واحدة من آخر المساحات التي يتمسك بها السودانيون لمعرفة الحقيقة وتوثيق ما يجري حولهم. لكن عندما يتحول الصحفي من ناقلٍ للوقائع إلى متهم، ومن باحثٍ عن الحقيقة إلى سجين محتمل، فإن الخطر لا يهدد الصحافة وحدها، بل يطال حق المجتمع بأكمله في المعرفة.
فالصحفي الذي يكتب تحت أصوات الرصاص، ويتنقل بين الخوف والنزوح وانهيار المؤسسات، لا يبحث عن امتياز خاص، بل يمارس دوراً ضرورياً في حماية الذاكرة العامة وكشف الانتهاكات ومساءلة السلطة. ومع كل محاكمة جديدة، تتسع مساحة الصمت، ويتراجع الأمل في بناء فضاء عام يقوم على الشفافية والعدالة.
وفي النهاية، قد تستطيع القوانين تقييد الصحفي أو إسكات صوته مؤقتاً، لكنها لا تستطيع إلغاء الأسئلة التي يطرحها الواقع، ولا إخفاء حقيقة أن المجتمعات التي تخاف من الكلمة، هي مجتمعات تخشى مواجهة الحقيقة نفسها.(يتبع)




