مقالات

لعنة الانشقاق : كيف التهمت الصراعات الداخلية حركات التحرر السودانية؟

لعنة الانشقاق
كيف التهمت الصراعات الداخلية حركات التحرر السودانية؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد

في السودان لم تكن الحروب الطويلة تُهزم دائماً في ساحات القتال كثيراً ما انهارت من الداخل قبل أن يسقطها خصومها. فمنذ الرصاصة الأولى التي أطلقتها حركة أنانيا في جنوب السودان ظل تاريخ حركات التحرر السودانية يتأرجح بين حلم العدالة وكابوس الانقسام. فكلما ارتفعت شعارات التحرير والمساواة تسللت الخلافات الشخصية والجهوية والقبلية إلى قلب المشروع الثوري لتحول البنادق من مواجهة مركز السلطة إلى صراع داخل المعسكر الواحد.

وهكذا أصبح الانشقاق جزءاً ثابتاً من السيرة السياسية والعسكرية للحركات التحرر السودانية حتى بدا وكأنه لعنة تاريخية تطارد كل مشروع تحرري في البلاد.


منذ انشقاق الحركة الشعبية لتحرير السودان في تسعينيات القرن الماضي دخلت الحركات المسلحة السودانية مرحلة جديدة من التشظي السياسي والعسكري. فقد شكّل خروج رياك مشار ولام أكول وارب طونق من عباءة جون قرنق لحظة فارقة لم تكن مجرد خلاف تنظيمي لكنه كان صراعاً حقيقياً حول تعريف القضية الجنوبية نفسها. كان قرنق يطرح مشروع السودان الجديد بوصفه رؤية لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس المواطنة بينما رأى خصومه أن الحركة انحرفت عن أولويات الجنوب المباشرة وحقه في تقرير المصير.


غير أن ذلك الانشقاق رغم غطائه السياسي كشف أيضاً هشاشة البنية الداخلية للحركات المسلحة حيث لعبت الانتماءات القبلية والطموحات الشخصية دوراً محورياً في تأجيج الصراع. ولم تكن النتيجة مجرد خلاف سياسي بل اقتتال دموي داخل الصف الجنوبي مما أضعف الحركة الشعبية وأطال أمد الحرب وترك جروحاً اجتماعية عميقة ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم في دولة جنوب السودان.
وفي جبال النوبة تكرر المشهد بصورة مختلفة. فالحركة المسلحة التي رفعت شعار الدفاع عن حقوق المهمشين سرعان ما واجهت صراعات داخلية حول التمثيل والقرار السياسي والعسكري. وبرزت خلافات قادها كافي طيارة وآخرون احتجاجاً على ما اعتبروه احتكاراً للقرار داخل دوائر ضيقة في إشارة إلى أزمة مزمنة تعاني منها معظم الحركات السودانية الا هو غياب المؤسسية والديمقراطية الداخلية.
أما في دارفور فقد أصبحت الانشقاقات أشبه بحالة مزمنة. إذ انقسمت حركة تحرير السودان بين جناح مني أركو مناوي وجناح عبد الواحد محمد نور ثم توالدت الانقسامات لاحقاً حتى بات من الصعب على المتابعين أنفسهم تتبع عدد الفصائل وأسمائها وتحالفاتها المتغيرة. ومع كل انشقاق كانت القضية الدارفورية تخسر جزءاً من زخمها السياسي والأخلاقي بينما تتراجع ثقة المواطنين في قدرة الحركات على تمثيلهم.


ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن الحركات التي نشأت أصلاً احتجاجاً على التهميش أعادت إنتاج الأزمة نفسها داخل بنيتها التنظيمية. فالقيادة غالباً ما تمركزت حول الزعيم التاريخي وغابت المؤسسات القادرة على إدارة الخلاف بصورة ديمقراطية ليتحول أي اختلاف سياسي إلى انشقاق مسلح وأي نقد داخلي إلى معركة على الشرعية.


وفي الأزمة السودانية الراهنة بدأت ذات الظاهرة تطل برأسها داخل قوات الدعم السريع التي دخلت الحرب بوصفها كتلة عسكرية متماسكة نسبياً لكنها سرعان ما واجهت مؤشرات تصدع داخلي. وقد برزت أسماء مثل النور القبة وعلي رزق الله المعروف بـالسافنا في سياق حديث متزايد عن خلافات تتعلق بتوزيع النفوذ والقيادة والسيطرة الميدانية.


وتكمن خطورة هذه التصدعات في أن قوات الدعم السريع بخلاف كثير من الحركات السابقة لا تمثل مجرد فصيل متمرد تقليدي بل أصبحت لاعباً رئيسياً في معادلة السلطة والحرب داخل السودان. لذلك فإن أي انشقاق داخلها لا ينعكس فقط على تماسكها العسكري يمتد تأثيره إلى المشهد الأمني والسياسي برمته. فالتاريخ السوداني يثبت أن الانقسامات المسلحة تفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات وظهور مراكز قوى جديدة وتفاقم حالة السيولة الأمنية.


كما أن انشقاقات الدعم السريع تكشف بوضوح أزمة البنية العسكرية القائمة على الولاءات الشخصية والقبلية أكثر من اعتمادها على العقيدة المؤسسية. فعندما تصبح القوة مرتبطة بشخص القائد أو بشبكة الولاء الضيقة فإن أي صراع داخلي يتحول سريعاً إلى تهديد مباشر لوحدة التنظيم. وهذا ما يجعل احتمالات التشظي قائمة كلما طال أمد الحرب وتعقدت حسابات النفوذ والموارد.


ورغم اختلاف السياقات التاريخية بين الحركة الشعبية وحركات دارفور وقوات الدعم السريع إلا أن القاسم المشترك بينها جميعاً يتمثل في أزمة بناء مشروع سياسي يفضي تاسيس دولة. فالحركات السودانية كثيراً ما نجحت في إنتاج خطاب تعبوي قوي ضد المركز لكنها فشلت في بناء نموذج تنظيمي قادر على استيعاب التنوع وإدارة الخلافات دون اللجوء إلى الانشقاق.


إن أخطر ما تخلّفه هذه الانقسامات ليس فقط إضعاف الحركات المسلحة لكن إنها تُفقد المجتمعات المحلية ثقتها في فكرة التحرير ذاتها. فحين تتحول البنادق من الدفاع عن الناس إلى الصراع على القيادة والمكاسب يصبح المواطن العادي أكثر ميلاً للبحث عن الأمان بأي ثمن حتى لو كان ذلك تحت سلطة الأمر الواقع التي خرجت الحركات أصلاً لمواجهتها.


وتكشف التجربة السودانية من أنانيا إلى الحركة الشعبية ومن دارفور إلى الدعم السريع أن معركة التحرير الحقيقية لا تُحسم بالبندقية وحدها لكن بقدرة الحركات على الانتصار على أزماتها الداخلية. فالتنظيم الذي يفشل في إدارة التنوع داخل صفوفه لن ينجح في بناء دولة عادلة خارجه.

ولذلك ظل الانشقاق لعقود طويلة هى السلاح الأكثر فتكاً بالحركات السودانيةوايضا سلاح لا تطلقه السلطة المركزية وحدها لكنه كثيراً ما يخرج من داخل الخنادقها. وبين حلم التحرير وواقع التشظي يبقى السؤال الكبير والمهم هل تستطيع القوى السودانية كسر دائرة الانقسام التاريخية أم أن لعنة الانشقاق ستظل قدَر السياسة والسلاح في السودان هو القدر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى