فن وثقافة

إستراحة الجمعة .. الدليب والمردوم والجراري إيقاعات السودان الكبرى يتغنّي عندها الهامش فهو ذاكرة الوطن المنسية

استراحة الجمعة

الدليب والمردوم والجراري إيقاعات السودان الكبرى يتغنّي عندها الهامش فهو ذاكرة الوطن المنسية

كتب : عبدالله موسي احمد

في السودان لا تولد الأغنية من فراغ ولا ينبثق الإيقاع من عزلةٍ موسيقية منفصلة عن حياة الناس.
فالفن السوداني الحقيقي ظلّ دائماً ابن الأرض والمطر والترحال والمواسم وابن المجتمعات الريفية التي صنعت وجدان بلادنا قبل أن تتشكل ملامح المدن الحديثة ومؤسسات الدولة المركزية.


ومن بين أكثر الإيقاعات حضوراً في الذاكرة السودانية تبرز إيقاعات الدليب والمردوم والجراري تلك الأنماط التي تجاوزت حدود الطرب والغناء لتصبح سجلاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً يروي تاريخ السودان من أطرافه لا من مركزه فقط.


لقد حملت هذه الإيقاعات أصوات الناس البسطاء وعبّرت عن علاقتهم بالأرض والقبيلة والرحيل والحب والحرب بينما ظلت النخب المركزية لسنوات طويلة تتعامل معها باعتبارها مجرد فولكلور يُستدعى في المناسبات الرسمية للزينة الثقافية لا بوصفها التعبير الحقيقي عن روح السودان المتعددة. غير أن القراءة النقدية العميقة تكشف أن هذه الفنون لم تكن يوماً هامشاً بل كانت المتن الحقيقي للوجدان السوداني وأن ما سُمّي بالمركز لم يكن سوى سلطة إعلامية أعادت توزيع الاعتراف الثقافي وفق معايير المدينة والسلطة.


يعتبر الدليب إيقاع النيل وهوية الشمال
وينتمي إيقاع الدليب إلى فضاء السودان الشمالي حيث تتعانق النخلة مع النيل بوصفهما رمزين للخصب والثبات والذاكرة الممتدة. ولم يكن الدليب مجرد خلفية راقصة للأغنية لكنة شكّل بنية وجدانية كاملة تعبّر عن إنسان الشمال في علاقته بالأرض والهجرة والحنين والأسرة.


في أغنيات الدليب يظهر الريف لا باعتباره مكاناً جغرافياً فحسب بل باعتباره منظومة أخلاقية متماسكة تقوم على الحياء العاطفي والانتماء للأسرة الكبيرة وروح التكاتف الاجتماعي. ولهذا جاءت لغته الشعرية كثيفة رمزيته تميل إلى الإيحاء أكثر من التصريح وكأنها تستعير من النيل هدوءه ومن النخيل شموخه.


لكن الأثر الأعمق للدليب كان سياسياً بصورة غير مباشرة. فقد أسهم انتشاره الإذاعي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في تكريس صورة السودان النيلي باعتباره النموذج الثقافي الأعلى للدولة الوطنية. ومن هنا بدأت أزمة المركز والهامش حين تحوّل لنمط ثقافي إقليمي إلى معيار قومي وبينما جرى تهميش الإيقاعات القادمة من الغرب والشرق والجنوب باعتبارها أقل تمدناً في نظر النخبة المركزية.


ان المردوم يعتبر إيقاع الحرب والحياة في غرب السودان
فالمردوم القادم من سهول كردفان ودارفور ليس مجرد إيقاع احتفالي انه طاقة جسدية وروحية كاملة. ففي المردوم يتحول الرقص إلى إعلان قوة ويتحوّل الجسد إلى نص اجتماعي يروي تاريخ القبيلة والمواسم والحرب والحب.
يتسم المردوم بإيقاعه الثقيل المتدحرج وكأنه يحاكي وقع أقدام الفرسان أو حركة القطعان في مواسم الترحال. ولهذا ارتبط تاريخياً بمجتمعات الرعاة والزراعة المطرية، حيث تقوم الحياة على الصراع مع الطبيعة وعلى التضامن الجماعي في مواجهة القحط والحروب.


غير أن المردوم بخلاف صورته الاحتفالية الشائعة فانه يحمل بُعداً نقدياً عميقاً. فهو فن نشأ في بيئات ظلت تاريخياً خارج مركز السلطة السياسية والاقتصادية ولذلك جاءت أغنياته محمّلة بسرديات الفخر والبطولة والكرامة بوصفها ردّاً رمزياً على التهميش.


لقد اختزلت المركزية الثقافية المردوم في رقصة تراثية وبينما هو في حقيقته خطاب هوية ومقاومة. وعندما اندلعت النزاعات في دارفور وكردفان ظهر بوضوح كيف يمكن للفن أن يتحول إلى مساحة لحفظ الذاكرة الجمعية في مواجهة العنف والنسيان.


والمفارقة الكبرى أن الدولة السودانية التي أهملت ثقافات الغرب لعقود طويلة عادت لاحقاً لتوظف المردوم في المناسبات الوطنية بوصفه رمزاً للوحدة الثقافية دون أن تعالج جذور الاختلال السياسي والاجتماعي الذي جعل تلك المجتمعات تشعر بالتهميش أصلاً.


يمثل الجراري غناء الصحراء وسردية الترحال.
الجراري الممتد في بادية كردفان ودارفور وأجزاء من شمال السودان فهو أكثر من غناء إنه فلسفة حياة بدوية كاملة. ففي الجراري تتداخل القصيدة مع الإيقاع الخفيف ويصبح الصوت البشري جزءاً من حركة القافلة والرعي والترحال.
يميل الجراري إلى البساطة الظاهرية لكنه يخفي بنية شعرية عميقة تقوم على الحكمة والإيجاز والقدرة على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى صور شعرية آسرة. إنه فن يعكس اقتصاد الصحراء وأخلاقها الصبر والشهامة والحنين والخوف من الفقد.


ومن أهم ما يميز الجراري قدرته على تجاوز حدود القبيلة نحو فضاء إنساني أوسع. ففيه تحضر المرأة بوصفها صوتاً فاعلاً لا مجرد موضوع للغناء وتحضر العلاقة بين الإنسان والطبيعة بوصفها علاقة مصير مشترك لا علاقة سيطرة.


سياسياً يكشف الجراري عن هشاشة فكرة الدولة الحديثة في المجتمعات الرعوية إذ ظلت تلك المجتمعات عبر تاريخ طويل أكثر ارتباطاً بمسارات المطر والمرعى من ارتباطها بحدود الدولة ومؤسساتها. ولهذا لم يكن الفن هنا ترفاً ثقافياً بل وسيلة لتنظيم الذاكرة الجماعية وحفظ العلاقات الاجتماعية في فضاء مفتوح لا تحكمه المدينة.


الفن بوصفه أرشيفاً للهامش


إن أخطر ما واجته هذه الفنون لم يكن الاندثار الطبيعي لكنه التدجين الثقافي. فعندما تُنقل إيقاعات الريف السوداني إلى المسرح الرسمي غالباً ما تُجرَّد من سياقاتها الاجتماعية والسياسية فتتحول إلى مادة استهلاكية للفرجة.


لقد أسهم الإعلام الرسمي لسنوات طويلة في إنتاج صورة انتقائية للفن السوداني بصورة تُبرز ما ينسجم مع أذواق المدينة وتُقصي ما يكشف تناقضات الدولة السودانية. ولهذا فإن إعادة القراءة النقدية لإيقاعات الدليب والمردوم والجراري ليست مهمة فنية فحسب بل هي أيضاً فعل ثقافي يعيد الاعتبار للمجتمعات التي صنعت هذه الفنون.


فالريف السوداني لم يكن مجرد منتج للمواد الخام أو خزان بشري للهجرة والحروب لكنه كان منتجاً للمعنى أيضاً. ومن دون فهم هذه الإيقاعات يصعب فهم السودان فى ذاته وتركيبته الاجتماعية وصراعاته السياسية وحتى أزمته المزمنة في تعريف الهوية الوطنية.


من هنا ربما تكمن مأساة السودان الكبرى في أن الدولة حاولت طويلاً أن تتحدث بصوت واحد بينما كانت البلاد في حقيقتها أوركسترا واسعة من الأصوات والإيقاعات والهويات.


لقد حمل الدليب ذاكرة النيل وحمل المردوم غضب الهامش وكبرياءه وبينما حفظ الجراري حكمة الصحراء وقلق الترحال. وهذه الفنون على اختلافها لم تكن متنافرة بل كانت تعبّر عن إمكانية سودانٍ متعدد لا تُختزل هويته في مركز واحد ولا ثقافة واحدة.


إن الإنصات الحقيقي لهذه الإيقاعات ليس احتفاءً بالماضي فحسب لكنه محاولة لفهم المستقبل أيضاً. فالأمم التي تفشل في سماع أصوات أطرافها كثيراً ما تستيقظ على صدى انقساماتها بينما تظل الشعوب القادرة على الاعتراف بتنوعها الثقافي أكثر قدرة على صناعة وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى