أخبار

وقفات فى الوثيقة الدستورية السودانية لثورة ١٩ ديسمبر -(2 )

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد

منذ سقوط نظام ثورة ديسمبر السودانية، ظل السؤال الأكثر إلحاحاً في الساحة السياسية والقانونية السودانية هو لماذا تعثرت الفترة الانتقالية بهذه السرعة وهل كانت الأزمة كامنة في طبيعة الدولة التي خلفها نظام الإنقاذ أم في هشاشة البنية القانونية والسياسية التي صاغت الوثيقة الدستورية وأدارت الانتقال بين المدنيين والعسكر؟


قد تكون الوثيقة الدستورية بين ضرورات الثورة وألغام السياسة
فحين وُقِّعت الوثيقة الدستورية السودانية 2019 بدا المشهد وكأن السودان يطوي صفحة ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ ويفتح باب الدولة المدنية. غير أن الوثيقة التي وُلدت تحت ضغط الشارع وتوازنات القوة الإقليمية والعسكرية حملت في داخلها بذور تناقضاتها.


فقد جاءت الصياغة القانونية مرتبكة في كثير من موادها خصوصاً فيما يتعلق بتوزيع السلطات بين المكوّن العسكري والمكوّن المدني وآليات فض النزاعات وحدود اختصاص كل مؤسسة. وبدا واضحاً أن النص الدستوري لم يُكتب بروح التأسيس الدستوري بقدر ما كُتب بروح التسوية السياسية المؤقتة.


والخلل هنا لم يكن تقنياً فحسب لكنه كان خللاً في الفلسفة القانونية نفسها. إذ لا يمكن بناء انتقال ديمقراطي مستقر عبر وثيقة تُبقي الجيش شريكاً سياسياً كاملاً ثم تتوقع لاحقاً أن يتحول إلى مؤسسة خاضعة للسلطة المدنية بإرادة طوعية.


وجد ان إرث الإنقاذ دولة بلا مؤسسات ولكن اذا قولنا تحميل اللجنة القانونية وحدها مسؤولية الانهيار يبدو تبسيطاً مخلّاً للمشهد. فالسودان الذي ورثته الثورة لم يكن دولة مؤسسات بالمعنى الحديث فانه كان دولة مُنهكة بفعل مشروع سياسي طويل عمل على تفكيك الخدمة المدنية وإضعاف القضاء وتسييس الأجهزة العدلية والأمنية.


لقد ترك نظام عمر حسن أحمد البشير خلفه دولة تعاني من هشاشة قانونية عميقة حيث تم إفراغ المؤسسات من استقلاليتها وتحويل القانون إلى أداة سياسية. ولذلك دخلت قوى الثورة إلى المرحلة الانتقالية وهي تفتقر إلى جهاز دولة مهني قادر على حماية أي تحول ديمقراطي.


ومن هنا يمكن فهم جانب من الارتباك الذي صاحب أداء قوى الحرية والتغيير خاصة لجنتها القانونية. فالبيئة نفسها كانت معادية لفكرة الانتقال المدني فيما كانت موازين القوة الحقيقية لا تزال تميل لصالح المؤسسة العسكرية.


هل فى اللجنة القانونية أزمة كفاءة أم أزمة تمثيل؟
مع ذلك لا يمكن إعفاء اللجنة القانونية من النقد. فالكثير من المختصين رأوا أن اللجنة التي صاغت الوثيقة الدستورية افتقدت إلى الانسجام الفكري والخبرة الدستورية العميقة اللازمة لإدارة لحظة تاريخية معقدة.


وقد وُجهت انتقادات واسعة لما وصفه البعض بـالأجسام الهلامية داخل التحالف إذ كانت حضرة التوازنات الحزبية والمحاصصات السياسية أكثر من حضور الكفاءة القانونية المتخصصة. وتحولت الوثيقة في بعض جوانبها إلى نص قابل للتأويل المتعدد الأمر الذي فتح الباب لصراعات السلطة لاحقاً.
الأخطر من ذلك أن بعض المواد الجوهرية تُركت عمداً بصياغات مرنة لإرضاء الأطراف المختلفة وهو تكتيك قد ينجح في توقيع الاتفاقات السياسية لكنه غالباً ما يفشل في بناء دساتير لدول مستقرة.


بين الثورة والتسوية هى الحقيقة التي يتجنب كثيرون الاعتراف بها هي أن الفترة الانتقالية لم تُبنَ على انتصار كامل للثورة بل على تسوية سياسية غير متوازنة. ولذلك ظلت الوثيقة الدستورية أسيرة لهذا التناقض فهي تريد تأسيس حكم مدني لكنها في الوقت نفسه تمنح العسكريين أدوات تعطيل هذا التحول.
وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقاً هل كانت الأزمة في النصوص أم في موازين القوة؟
فالإجابة الأقرب للواقع أن الأزمة كانت في الاثنين معاً. فالوثيقة الدستورية لم تكن محكمة قانونياً بما يكفي كما أن البيئة السياسية التي وُلدت فيها كانت معادية بطبيعتها لأي انتقال ديمقراطي كامل.


ان درس السودان القاسي هو لقد كشفت تجربة الانتقال السوداني أن الثورات لا تنتصر بالشعارات وحدها وأن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة إسقاط الدولة العميقة. كما أثبتت أن أي وثيقة دستورية تُكتب تحت ضغط التسويات ومن دون مشروع وطني متفق عليه تظل معرضة للانفجار عند أول اختبار حقيقي.


وربما يكون الدرس الأهم أن القانون مهما بلغت دقته لا يستطيع وحده حماية الديمقراطية إذا لم تسندها مؤسسات قوية وقوى سياسية ناضجة وإرادة وطنية تتجاوز الحسابات العنصرية والجهوية والقبلية والحزبية الضيقة.
في السودان لم تسقط الوثيقة الدستورية وحدها لكن سقط معها وهم الانتقال السهل من دولة الاستبداد إلى دولة الديمقراطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى