وقفات فى الوثيقة الدستورية السودانية لثورة ١٩ ديسمبر (1 )

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسي احمد
كيف انتصر العسكر على طاولة التفاوض وخسرت الثورة في الميدان!!
عندما وُقِّعت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية في السودان في أغسطس 2019، بدا المشهد لكثيرين وكأنه لحظة انتصار تاريخي لثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطت نظام عمر البشير بعد ثلاثة عقود من الحكم السلطوي. غير أن القراءة القانونية المتأنية للوثيقة بعيداً عن الحماس السياسي الذي ساد تلك الأيام تكشف أنها لم تكن تسوية متوازنة بين المدنيين والعسكريين بل كانت في جوهرها اتفاقاً منح المؤسسة العسكرية أدوات الهيمنة الفعلية على المرحلة الانتقالية ومهّد بصورة مباشرة أو غير مباشرة للانفجار الكارثي الذي وقع في 15 أبريل 2023.
المشكلة الأساسية لم تكن فقط في نوايا العسكر فهذه كانت معروفة منذ الأيام الأولى بعد سقوط البشير وإنما في الضعف القانوني والسياسي لقوى الحرية والتغيير أثناء التفاوض. فقد دخل المدنيون المفاوضات بزخم شعبي وأخلاقي هائل لكن من دون بنية تفاوضية قانونية صلبة قادرة على تفكيك عقل الدولة العسكرية أو تحصين المرحلة الانتقالية ضد الانقلاب عليها.
لقد تصرفت القوى المدنية وكأن الثورة وحدها كافية لإجبار المؤسسة العسكرية على التحول الديمقراطي بينما كانت اللجنة العسكرية الانتقالية تتفاوض بعقل الدولة العميقة وخبرة الأجهزة الأمنية وإدراك كامل لمفاتيح القوة الحقيقية داخل الدولة السودانية.
من الناحية القانونية احتوت الوثيقة الدستورية على ثغرات قاتلة. أولى هذه الثغرات كانت إنشاء مجلس سيادة مختلط يمنح العسكريين موقعاً دستورياً داخل رأس الدولة بدلاً من إخضاع المؤسسة العسكرية بالكامل للسلطة التنفيذية المدنية. فالوثيقة لم تؤسس لسلطة مدنية كاملة بل صنعت شراكة ملتبسة بين طرفين غير متكافئين طرف يمتلك الشارع وآخر يمتلك السلاح والتنظيم والأجهزة.
الأخطر من ذلك أن الوثيقة منحت مجلس السيادة الذي كان العسكريون جزءاً حاسماً منه سلطات واسعة في الملفات السيادية والأمنية والعسكرية بينما تُركت الحكومة المدنية تتحمل عبء الاقتصاد والخدمات والانهيار المعيشي. وبذلك جرى عملياً فصل السلطة عن المسؤولية فالمدنيون يدفعون ثمن الفشل اليومي أمام الشارع والعسكريون يحتفظون بأدوات القوة الحقيقية داخل الدولة.
ولعل أكبر مظاهر الضعف القانوني تمثلت في غياب النصوص الحاسمة الخاصة بإصلاح القطاع الأمني والعسكري. لم تتضمن الوثيقة جدولاً زمنياً واضحاً لدمج قوات الدعم السريع داخل الجيش ولم تنشئ آليات ملزمة لإعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية كما لم تضع المؤسسة العسكرية تحت رقابة مدنية فعلية. وهكذا تُرك أخطر ملف في الدولة السودانية معلقاً على حسن النوايا لا على قواعد دستورية ملزمة.
وكان ذلك خطأً استراتيجياً فادحاً.
فالوثائق الدستورية الانتقالية لا تُكتب لإدارة اللحظة الراهنة فقط لكن لمنع الصراع المستقبلي. وعندما تُترك جيوش متعددة داخل الدولة الواحدة من دون حسم قانوني واضح فإن الحرب تصبح احتمالاً قائماً لا استثناءً مستبعداً.
ثم جاءت مسألة المجلس التشريعي الانتقالي التي عكست أيضاً هشاشة الأداء التفاوضي المدني. فقد تأخر تشكيل المجلس التشريعي بصورة أضعفت الرقابة على السلطة التنفيذية والعسكرية معاً وأبقت فراغاً دستورياً استغله العسكر لتعزيز نفوذهم داخل مؤسسات الدولة.
كذلك لم تنجح القوى المدنية في بناء ضمانات دستورية فعالة تمنع الانقلاب على الوثيقة نفسها. كانت هناك نصوص عامة حول الانتقال الديمقراطي لكن لم تكن هناك آليات ردع حقيقية ضد أي طرف يخرق الاتفاق. ولذلك لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 مفاجئاً من الناحية القانونية فقد كانت الوثيقة نفسها تحمل في داخلها قابلية الانقلاب عليها.
لقد تفاوض المدنيون بمنطق التسوية الممكنة بينما فاوض العسكريون بمنطق إدارة الوقت. كانت اللجنة العسكرية تدرك أن امتلاكها للقوة الصلبة يمنحها أفضلية استراتيجية مهما قدمت من تنازلات شكلية. وفي المقابل بدا واضحاً أن كثيراً من ممثلي القوى المدنية كانوا يفتقرون إلى الخبرة الدستورية والتفاوضية اللازمة في التعامل مع مؤسسة عسكرية متجذرة في السلطة منذ استقلال السودان تقريباً.
ولم يكن ذلك مجرد قصور فني لكنه أزمة عميقة في فهم طبيعة الدولة السودانية.
فالانتقال الديمقراطي في الدول الخارجة من الحكم العسكري لا يتحقق بالشعارات الثورية وحدها وإنما بإعادة تأسيس العلاقة القانونية بين المدني والعسكري. وهذا ما لم يحدث في السودان بعد ديسمبر 2018. لقد بقي الجيش لاعباً سياسياً وبقيت قوات الدعم السريع قوة مستقلة وبقيت مراكز النفوذ الاقتصادي والأمني خارج الرقابة المدنية.
ومن رحم هذا الخلل البنيوي خرجت الكارثة.
فاندلعت الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023 لم تكن مجرد صراع مفاجئ بين جنرالين بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار انتقالي معطوب منذ لحظته الأولى. فالدولة التي فشلت في حسم من يحتكر السلاح كانت تسير عملياً نحو الانفجار.
إن النقد الموضوعي للتجربة الانتقالية لا يعني تبرئة المؤسسة العسكرية من مسؤوليتها التاريخية، فهي تتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تقويض الانتقال الديمقراطي. لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن القوى المدنية ارتكبت أخطاء تفاوضية وقانونية جسيمة دفعت البلاد ثمناً باهظاً لها لاحقاً.
واليوم وبعد الدماء والدمار والانهيار الذي أصاب السودان تبدو الحاجة ملحة لاستخلاص الدرس الأهم وهو لا يمكن بناء انتقال ديمقراطي حقيقي عبر شراكة غامضة مع السلاح ولا عبر وثائق دستورية مليئة بالتسويات المؤقتة والثغرات القاتلة.
فالدساتير الانتقالية ليست بيانات سياسية للاحتفال بانتصار الثورة بل انها عقود تأسيس للدولة الجديدة. وعندما تُكتب تحت ضغط اللحظة ومن دون رؤية قانونية صارمة فإنها قد تتحول من جسر للعبور إلى وصفة مؤجلة للحرب.



