
بقلم : حسين سعد
بعد ثلاث سنوات من الحرب الكارثية التي مزّقت السودان، لم يكن الصحفيون والصحفيات بمنأى عن نيرانها، بل وجدوا أنفسهم في قلب المأساة، يدفعون ثمنًا مضاعفًا؛ مرة لأنهم شهود على الحقيقة، ومرة لأنهم أصبحوا ضحايا لها.
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أكتوبر، لم تعد الصحافة في السودان مجرد مهنة محفوفة بالمخاطر، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء. أصبح الصحفي يخرج للبحث عن المعلومة وهو لا يعلم إن كان سيعود إلى منزله، أو إن كان سيجد في نهاية الشهر ما يسند به أسرته التي أنهكتها الحرب والنزوح والجوع.
لكن الأكثر قسوة لم يكن صوت الرصاص وحده، بل القرارات التي جاءت من داخل مؤسسات كان يُفترض أن تكون ملاذًا للصحفيين، مثل راديو دبنقا الذي تحول إلى مصدر إضافي للألم والانكسار.
لم يكن فصل الصحفيين السودانيين من مؤسساتهم مجرد قرارات إدارية عابرة فرضتها ظروف الحرب، بل بدا في كثير من الحالات وكأنه تخلي مؤلم عن أشخاص أفنوا سنوات عمرهم في خدمة المهنة والدفاع عن الحقيقة. تداخلت الحرب مع الانهيار المؤسسي، ومع تراجع الالتزام الأخلاقي والمهني لدى بعض المؤسسات الإعلامية والجهات التي تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير.
ومن بين هذه الحالات، برزت مؤسسات رفعت لسنوات شعارات الدفاع عن الحقوق والحريات، مثل دبنقا لكنها—في لحظة اختبار حقيقية—مارست الفصل التعسفي بحق صحفيين وصحفيات، في توقيت هو الأقسى في تاريخ السودان الحديث. لم تراعِ ظروف الحرب، ولا النزوح، ولا الأوضاع الإنسانية التي يعيشها العاملون فيها.
ولم يتوقف الألم عند قرارات الفصل وحدها، بل امتد إلى صمت بعض المؤسسات والمنظمات ذات الصلة بحرية الصحافة وحقوق الصحفيين، تلك التي اعتادت إصدار البيانات والتعبير عن التضامن في مناسبات مختلفة، لكنها هذه المرة اختارت الصمت، أو الوقوف في منطقة رمادية، تاركة زملاء المهنة يواجهون مصيرهم وحدهم.
في هذه الحرب، لم تُستهدف المؤسسات الإعلامية فقط، بل استُهدف الصحفي كإنسان. هناك من نزح من منزله، وهناك من فقد أدوات عمله، وهناك من فقد مصدر رزقه الوحيد. بعضهم أصبح يحمل الكاميرا في النهار، ويبحث عن مأوى آمن لأطفاله في الليل. وبعض الصحفيات وجدن أنفسهن يواجهن النزوح والمسؤوليات الأسرية وفقدان العمل في وقت واحد.
الأكثر إيلامًا أن هذا كله يحدث وسط صمتٍ حقوقي يثير الأسئلة. كيف يمكن لمؤسسات تنادي بحرية التعبير مثل جهر أن تغض الطرف عن انتهاكات واضحة بحق الصحفيين؟ وكيف يمكن لمن يرفعون شعارات العدالة والكرامة الإنسانية أن يصمتوا عندما يصبح الصحفي نفسه ضحية للفصل والتشريد؟
الصحفي السوداني اليوم لا يطلب امتيازات خاصة، ولا يبحث عن تكريم أو أضواء. كل ما يطالب به هو الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية: حقه في العمل، في الأمان الوظيفي، في الحماية من الفصل التعسفي، وفي أن يجد من يقف معه عندما تضيق به الحياة.
ورغم هذا المشهد القاسي، لا يزال هناك بصيص أمل. مبادرات تضامن فردية وجماعية، أصوات حرة ترفض الصمت، ومحاولات مخلصة لإسناد الصحفيين الذين كسرتهم الحرب. هذه النماذج تؤكد أن الضمير المهني لم يمت، وأن الإنسانية لا تزال تقاوم.
إن ما يحدث للصحفيين السودانيين اليوم ليس مجرد أزمة مهنية، بل هو امتحان أخلاقي حقيقي لكل من يتحدث باسم العدالة وحقوق الإنسان. فإما أن تكون الحقوق شاملة للجميع، أو تتحول إلى شعارات فارغة لا تصمد أمام أول اختبار.
فالصحفي الذي حمل وجع الناس إلى العالم… من حقه ألا يُترك وحيدًا في لحظة وجعه.




