مقالات

مبادئ برلين للسودان بين الطموح السياسي وواقع الميدان

مبادئ برلين للسودان بين الطموح السياسي وواقع الميدان

كتب : عبدالله موسى احمد


مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة

خرج علينا اجتماع برلين بحزمة مبادئ يبدو على الورق متماسكة وشاملة لإنهاء الحرب فى السودان لكنها عند إسقاطها على واقع القتال بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية تتكشف فجوة عميقة بين الدبلوماسية والوقائع اليومية للحرب الجارية على الأرض.


مبادئ واضحة لكن بلا أدوات كافية
تؤكد مبادئ برلين على أن لا حل عسكريًا للصراع وتدعو إلى هدنة إنسانية ثم وقف دائم لإطلاق النار مع عملية سياسية شاملة.
هذا الطرح ليس جديدًا فقد تكرر منذ اندلاع الحرب في 15أبريل 2023 ومرّ عبر مسارات متعددة دون أن يترجم إلى واقع والسبب الجوهري غياب آليات إلزامية حقيقية.


على الأرض لا يزال الطرفان يراهنان على الحسم العسكري. الجيش يسعى لاستعادة السيطرة الكاملة على الدولة ومؤسساتها وبينما تعمل قوات الدعم السريع على ترسيخ نفوذها في مناطق واسعة خصوصًا في دارفور وكردفان وأجزاء من العاصمة سابقًا. هذا التوازن القلق يجعل أي دعوة لوقف إطلاق النار عرضة للانهيار بمجرد شعور أحد الطرفين بتحسن موقعه العسكري.
التناقض الأكبر وقف الدعم الخارجي
من أكثر البنود حساسية في بيان برلين وهو الدعوة لوقف كل أشكال الدعم الخارجي. وهى نقطة مفصلية لأن الحرب السودانية لم تعد داخلية خالصة بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.


الواقع يشير إلى أن كلا الطرفين يعتمد بدرجات متفاوتة على دعم خارجي سواء لوجستي أو مالي أو سياسي. من دون توافق دولي صارم وآلية رقابة فعالة سيظل هذا البند أقرب إلى الأمنية منه إلى الالتزام.
المدنيون الحلقة الأضعف حيث تضع المبادئ حماية المدنيين ووصول المساعدات في قلب الحل. لكن الميدان يقول عكس ذلك من ماراه مدن مدمرة أو شبه خالية نزوح داخلي ولجوء خارجى بالملايين وانهيار شبه كامل للخدمات الصحية والتعليمية والحديث عن وصول آمن ومستدام للمساعدات يصطدم بحواجز السيطرة العسكرية وبتعدد مراكز القرار داخل كل طرف وغياب الثقة.
ان أزمة العملية السياسية تشدد المبادئ على حوار سوداني-سوداني شامل وهي فكرة صحيحة من حيث المبدأ لكنها تصطدم بثلاث عقبات هى
غياب قيادة مدنية موحدة قادرة على التفاوض وفقدان الثقة بين القوى السياسية والعسكرية واستمرار الحرب الذي يجعل أي عملية سياسية شكلية أو مفصولة عن الواقع.


ام الذي ينقص مبادئ برلين ان المشكلة ليست في المبادئ نفسها لكنها في غياب
آلية تنفيذ ملزمة بجدول زمني واضح
قوة مراقبة دولية وإقليمية على الأرض
عقوبات حقيقية على المعرقلين وربط المساعدات وإعادة الإعمار بالامتثال السياسي.
والمقاربة أكثر واقعية إذا كان الهدف فعلاً تحقيق السلام فهناك خطوات أكثر عملية يمكن البناء عليها منها وقف إطلاق نار جزئي ومناطقي بدلًا من انتظار اتفاق شامل ويمكن البدء بهدنات محلية في مناطق محددة مثل دارفور او كردفان أو الخرطوم وتُبنى عليها تدريجيًا.
وكذلك فصل المسارات فمثالا مسار إنساني مستقل تمامًا عن التفاوض السياسي ومسار أمني وقف إطلاق النار ومسار سياسي طويل الأمد.


ان ربط هذه المسارات ببعضها كما يحدث الآن يعطل الجميع فى الوصول لسلامة.
ايضا ضغط دولي منسق فأي حل يتطلب توافقًا حقيقيًا بين القوى الإقليمية المؤثرة وليس مجرد بيانات مشتركة. وبدون ذلك سيبقى كل طرف يجد داعمًا خارجيًا يمد في عمر الحرب.
فإعادة بناء الجبهة المدنية
لا يمكن الحديث عن انتقال مدني دون وجود كتلة مدنية موحدة وقادرة على التفاوض وفرض رؤيتها.
وكذلك العدالة كجزء من الحل لا مؤجلة له
الإفلات من العقاب وهى كان أحد أسباب دورات العنف في السودان. إدماج آليات العدالة الانتقالية منذ البداية ضروري لبناء ثقة حقيقية.


ان مبادئ برلين تمثل إطارًا سياسيًا مهمًا، لكنها حتى الآن أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى خطة عمل فاعلة وان الحرب في السودان لا تتغذى فقط على الصراع الداخلي بل على شبكة مصالح إقليمية معقدة وعلى حسابات عسكرية قصيرة المدى وطولية
السلام لن يأتي عبر البيانات وعبر تغيير موازين الحوافز لذا عندما تصبح كلفة الحرب أعلى من كلفة التسوية فقط عندها يمكن لهذه المبادئ أن تتحول من نص دبلوماسي إلى واقع يعيشه السودانيون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى