مقالات

عبدالله موسي يكتب : هذه ليست حربًا على السلطة بل جريمة ضد فكرة الدولة

السودان ليس غنيمة
٢٣ /٤/ ٢٠٢٦
كتب : عبدالله موسى احمد
هذه ليست حربًا على السلطة بل جريمة ضد فكرة الدولة


ما يجري منذ 15 أبريل 2023 في السودان لا يمكن تلطيفه بمصطلحات دبلوماسية من نوع صراع أو أزمة هذه حرب صريحة ضد فكرة الدولة نفسها وضد أبسط تعريف للمواطنة.


في قلب المعركة تقف القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لكن الحقيقة الأكثر قسوة والم أن أيًا من الطرفى الحرب لا يخوض الحرب من أجل المواطن ولا من أجل دولة تقوم على الحقوق المتساوية كلاهما يقاتل من أجل السيطرة ومن يسيطر يقرر.


الجيش الذي يفترض أن يكون حارس الدولة تحوّل عبر عقود إلى لاعب سياسي يطالب بالسلطة بقدر ما يحتكر السلاح. لم يعد وسيطًا محايدًا بين المواطنين بل طرفًا يسعى لإعادة إنتاج هيمنته مستندًا إلى خطاب حماية الدولة بينما يفرّغها عمليًا من مضمونها المدني.


في المقابل تقدّم قوات الدعم السريع نموذجًا أكثر صراحة وخطورة سلطة تنبع مباشرة من فوهة البندقية بلا ادعاء مؤسسي حقيقي وصعودها لم يكن نتيجة عقد اجتماعي ولا تفويض شعبي بل نتيجة فراغ سياسي سمح للقوة أن تتحول إلى شرعية.


بين هذين النموذجين تُسحق فكرة المواطنة لا وجود لمواطن متساوٍ بل أفراد محاصرون بين قوتين تتنازعان السيادة كما لو كانت ملكية خاصة. الحقوق ليست مضمونة بل مؤجلة إلى ما بعد الحسم العسكري الذي لا يأتي.


الحديث عن حكومات متنافسة أو عواصم بديلة ليس تعبيرًا عن تعددية الا انه إعلان صريح عن تفكك الدولة. فالدولة لا تُقاس بعدد من يعلنون السلطة ولكن بقدرتها على فرض قانون واحد على الجميع. وهذا الشرط انهار بالكامل.


الأخطر أن هذه الحرب لا تدمر الحاضر فقط الا انها تعيد تشكيل المستقبل على أسس أكثر هشاشة فكل يوم يستمر فيه القتال تتآكل فكرة أن السودان يمكن أن يكون دولة مواطنين ولا ساحة نفوذ لمجموعات مسلحة.


هذا ليس فشلًا عابرًا انها نتيجة منطقية لمسار طويل لم تُحسم فيه العلاقة بين السلاح والسياسة. منذ عقود لم يُطرح السؤال الجوهري بجدية من يملك الحق في استخدام القوة؟ الدولة أم من يفرض نفسه عليها؟
ان الإجابة اليوم واضحة ومأساوية لا أحد تخلى عن السلاح لصالح الدولة وبالتالي لم تقم الدولة أصلًا بمعناها الحديث.
إن أي حديث عن تسوية لا يبدأ بنزع الشرعية عن حكم السلاح وإعادة تأسيس السلطة على قاعدة المواطنة المتساوية ليس حلًا بل تأجيل لانفجار قادم.


السودان لا يحتاج إلى منتصر في هذه الحرب بل يحتاج إلى نهاية هذا المنطق كله لأن بقاءه يعني شيئًا واحدًا أن الدولة ستظل غنيمة لا وطنًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى