الزراعة طريق السودان إلى السلام(6-6)

كتب : حسين سعد
في ختام هذا الكتاب، تتبلور الفكرة الأساسية التي سعى المؤلف إلى إبرازها عبر مختلف فصوله: أن الزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي المفتاح الاستراتيجي لبناء مستقبل السودان، فالزراعة تمتلك قدرة فريدة على الجمع بين أهداف متعددة في وقت واحد: تعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وفي بلد مثل السودان، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على الأنشطة الزراعية، يمكن للنهضة الزراعية أن تشكل الأساس لإعادة بناء الاقتصاد الوطني بعد سنوات طويلة من الأزمات والحروب، إن الاستثمار في الزراعة يعني الاستثمار في الإنسان السوداني نفسه، وفي قدرته على العمل والإنتاج والإبداع، كما أنه يعني إعادة الاعتبار للريف السوداني الذي ظل لعقود طويلة مهمشاً في السياسات التنموية
ويؤكد الكتاب للمؤلف حسن سنهوري الذي تمت طباعته ونشره بمساعدة المركز الإقليمي ضمن أهداف المركز لبناء السلام والتنمية المستدامة بحسب ما ورد في تقديم الناشر، يؤكد أن بناء مشروع زراعي وطني شامل يمكن أن يشكل نقطة التقاء بين مختلف مكونات المجتمع السوداني، لأنه يقوم على مصلحة مشتركة تتمثل في استثمار الأرض والموارد الطبيعية لصالح الجميع.
إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تستمر دوامة الأزمات والصراعات التي أنهكت البلاد لعقود طويلة، أو أن يتم تبني رؤية جديدة تقوم على التنمية والإنتاج والتكامل الاقتصادي، وفي هذا السياق، يقدم هذا الكتاب دعوة واضحة وصريحة إلى جعل الزراعة محوراً لمشروع وطني جديد يعيد للسودان مكانته كواحد من أهم الأقاليم الزراعية في العالم، فالأراضي الزراعية السودانية، إذا ما أُحسن استثمارها، يمكن أن تتحول من مساحات مهملة إلى مصادر للسلام والازدهار والكرامة الإنسانية.
فالسودان، الذي يمتلك ما يقارب 173 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة ويعد من أغنى البلدان الأفريقية بالموارد الطبيعية، يعاني في الوقت نفسه من أزمات غذائية متكررة ونزاعات ممتدة ونسب مرتفعة من الفقر والنزوح، هذا التناقض لا يعكس نقصاً في الإمكانات، بل يكشف عن أزمة أعمق في نموذج التنمية نفسه. فقد ظل القطاع الزراعي لعقود طويلة أسيراً لسياسات قصيرة النظر ركزت على الإنتاج الخام والتصدير دون بناء منظومة اقتصادية متكاملة تحقق التنمية الريفية أو العدالة الاجتماعية.
ومع استمرار الصراعات المسلحة وتفاقم التحديات البيئية والاقتصادية، أصبح من الواضح أن السودان بحاجة إلى رؤية جديدة تعيد تعريف دور الزراعة في بناء الدولة والمجتمع، هذه الرؤية لا تنظر إلى الزراعة باعتبارها مجرد قطاع اقتصادي، بل كأداة استراتيجية لبناء السلام وتعزيز الاستقرار وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالزراعة في السودان ليست فقط مصدر رزق لملايين المواطنين، بل هي أيضاً المجال الذي تتقاطع فيه قضايا الأرض والمياه والهوية والتنمية، ومن هنا تنطلق فكرة التنمية الزراعية من أجل السلام بوصفها مشروعاً وطنياً يسعى إلى تحويل الحقول من ساحات للصراع إلى منصات للتعاون والإنتاج التحولات الفكرية الثلاثة يقوم النموذج المقترح للتنمية الزراعية في السودان على ثلاث تحولات فكرية أساسية.
التحول الأول: يتمثل في تبني مفهوم السيادة الغذائية، أي إعطاء الأولوية لإنتاج الغذاء محلياً لتلبية احتياجات السكان قبل التوسع في التصدير، فالأمن الغذائي لا يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي والاستقلال السياسي.
التحول الثاني :هو معالجة التهميش التاريخي الذي عانت منه مناطق الزراعة المطرية التقليدية. ويتطلب ذلك مراجعة السياسات والقوانين المرتبطة بالأراضي، والاعتراف بالحقوق العرفية للمجتمعات المحلية في إدارة أراضيها المعروفة بالحواكير.
أما التحول الثالث :فيتعلق بتعزيز الاندماج الاجتماعي عبر تحويل المشاريع الزراعية إلى منصات للتعاون بين المزارعين والرعاة والمقاتلين السابقين، بما يساهم في إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات المحلية.
أما الرؤية الاستراتيجية التي اشار لها الكتاب فهي تتمثل الرؤية الأساسية للنموذج المقترح في تحويل القطاع الزراعي إلى ركيزة للاستقرار الوطني والأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية، وتسعى هذه الرؤية إلى الانتقال من منطق إنتاج السلع إلى منطق إنتاج السلام، بحيث يصبح كل مشروع زراعي استثماراً مباشراً في الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
وتستند هذه الرؤية إلى خمسة أهداف استراتيجية رئيسية وهي :
أولاً: الحد من الفقر وتحسين سبل العيش في المناطق الريفية
ثانياً: تحقيق الأمن الغذائي الوطني عبر تعزيز الإنتاج المحلي
ثالثاً: حماية الموارد الطبيعية وضمان الاستدامة البيئية
رابعاً: تحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم المختلفة
خامساً: تعزيز العدالة الاجتماعية وتمكين الفئات المهمشة
المرتكزات التنفيذية لتطبيق هذه الرؤية على أرض الواقع، يقترح النموذج ست ركائز رئيسية للتنفيذ وهي:
الركيزة الأولى: ربط الزراعة بعملية بناء السلام من خلال تشجيع المشاريع المشتركة التي تجمع بين المزارعين والرعاة وتوفر فرصاً اقتصادية للمقاتلين السابقين.
الركيزة الثانية: تتمثل في الاستثمار في الإنتاجية الزراعية والبنية التحتية، خاصة في مجالات التمويل الزراعي والري والتكنولوجيا الزراعية.
أما الركيزة الثالثة: فتركز على تطوير مناطق الزراعة المطرية التقليدية التي ظلت مهمشة لعقود طويلة رغم أنها تمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي في السودان.
الركيزة الرابعة :تتعلق بتطوير الأسواق الداخلية عبر تحسين الطرق الريفية وبناء مرافق التخزين وإنشاء نظم شفافة لمعلومات الأسواق
الركيزة الخامسة :تهدف إلى تطوير الأسواق الخارجية عبر تصدير المنتجات الزراعية ذات القيمة المضافة بدلاً من المواد الخام
وأخيراً، تتمثل الركيزة السادسة في تعزيز الحوكمة والإصلاح المؤسسي، بما يشمل مكافحة الفساد وتحديث القوانين الزراعية وتعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار.
وبالرغم من وضوح هذه الرؤية، إلا أن تنفيذها سيواجه عدداً من التحديات الكبيرة: وهي
من أبرز هذه التحديات استمرار الحرب وتصاعد خطاب الكراهية، وضعف التمويل والبنية التحتية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بتغير المناخ والجفاف، كما تواجه المؤسسات الحكومية تحديات تتعلق بالفساد وتضارب الصلاحيات وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، لكن معالجة هذه التحديات ليست مستحيلة، بل تتطلب إرادة سياسية قوية ورؤية وطنية واضحة تضع التنمية الزراعية في صدارة أولويات الدولة..
في حال نجاح هذا النموذج، فإن نتائجه لن تقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل ستشمل آثاراً أعمق على المجتمع والدولة، فالتنمية الزراعية الشاملة يمكن أن تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتقليل النزاعات على الموارد الطبيعية، وتوفير فرص عمل للشباب، وإعادة إدماج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية.
كما يمكن أن تؤدي إلى زيادة الدخل القومي وتحسين الخدمات الاجتماعية وتعزيز الاستقرار السياسي
إن مستقبل السودان لا يتوقف فقط على إنهاء الحرب أو تحقيق الاستقرار السياسي، بل يعتمد أيضاً على قدرة البلاد على بناء نموذج تنموي جديد يعالج جذور الأزمات التاريخية، والحقيقة أن السودان لا يعاني من نقص في الموارد، بل من غياب الرؤية التي تحول هذه الموارد إلى قوة اقتصادية واجتماعية، فالبلاد تمتلك ملايين الأفدنة الخصبة وثروة حيوانية ضخمة وموقعاً جغرافياً متميزاً، لكن هذه الإمكانات ظلت لعقود طويلة رهينة لسياسات غير متوازنة وصراعات متكررة، إن تبني نموذج التنمية الزراعية من أجل السلام يمثل فرصة تاريخية لتحويل هذا الواقع. فهو ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل رؤية وطنية شاملة تسعى إلى تحويل الزراعة من مصدر للنزاع إلى أساس للوحدة الوطنية والازدهار المشترك.
لقد حان الوقت لكي يتحول السودان من بلد يحصد نتائج التهميش والصراع، إلى وطن يزرع بذور السلام في تربة العدالة والتنمية، فالنجاح في هذا المجال لا يعتمد فقط على زيادة الإنتاج أو إدخال التكنولوجيا الحديثة، بل يرتبط قبل كل شيء بقدرة الدول على بناء مؤسسات قوية، وتصميم سياسات عادلة، وخلق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبالنسبة للسودان، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد الطبيعية، بل في كيفية إدارة هذه الموارد بطريقة عادلة ومستدامة. فالبلاد تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات الزراعية في العالم، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية حقيقية، ولهذا يصبح السؤال المركزي هو: كيف يمكن تحويل الزراعة من مصدر للتهميش والصراع إلى ركيزة للسلام والتنمية؟ (إنتهي)




