جعفر محمدين يكتب .. جذور العنصرية في المجتمعات العربية والسودانية: قراءة في التاريخ والثقافة والهوية

جذور العنصرية في المجتمعات العربية والسودانية: قراءة في التاريخ والثقافة والهوية
جعفر محمدين عابدين
بتاريخ 7 ابريل 2026م
gafertamok@gmail.com
إن العنصرية في المجتمعات العربية والسودانية ليست مجرد مشكلة أخلاقية عابرة. إنها ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة الجذور، تشكلت على مدى قرون من التراتب الاجتماعي والأفكار التاريخية عن الهوية واللون والقبيلة. ما يحدث اليوم من إساءات أو سخرية بسبب لون البشرة أو الأصل القبلي هو في الواقع انعكاس لبنية فكرية قديمة لم يتم تفكيكها بعد.
في السودان والعالم العربي عموماً، تشكلت الهويات على أساس القبيلة واللغة والنسب. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه العناصر أدوات للمفاضلة بين الناس. على الرغم من أن الإسلام جاء ليهدم هذه البنية التراتبية التي تقوم على العرق والنسب، إلا أن بعض المجتمعات أعادت إنتاجها بطرق مختلفة. يكفي أن نتأمل قصة الصحابي بلال بن رباح الذي عانى من التمييز بسبب لون بشرته، حتى في بدايات المجتمع الإسلامي، عندما قال له أحدهم: “يا ابن السوداء”. كان رد النبي محمد بن عبد الله حاسماً حين قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية».
تظهر هذه الحادثة أن العنصرية ليست ظاهرة جديدة. لكنها تؤكد أيضاً أن الإسلام وضع معياراً أخلاقياً واضحاً لمواجهتها. يقرر القرآن الكريم مبدأ المساواة الإنسانية بوضوح في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(سورة الحجرات: 13)
هذه الآية لا تنفي وجود الشعوب والقبائل، لكنها تعيد تعريف وظيفتها: التعارف بدلاً من التفاخر، والتكامل بدلاً من الهيمنة. ومع ذلك، نجد أن كثيراً من المجتمعات ما زالت تقيس قيمة الإنسان بلونه أو نسبه أو قبيلته، وكأنها تعود إلى معايير ما قبل القيم الدينية والإنسانية الحديثة.
في الحالة السودانية، تتخذ العنصرية أحياناً شكلاً أكثر تعقيداً لأنها تتقاطع مع التاريخ السياسي والاستعمار والتفاوت الاقتصادي بين المناطق. أدى هذا التداخل إلى نشوء تصورات نمطية عن بعض المجموعات السكانية، بحيث يصبح اللون أو الأصل الجغرافي علامة على المكانة الاجتماعية. هذه التصورات تؤذي الأفراد وتمزق النسيج الوطني وتغذي الانقسامات.
المفارقة المؤلمة أن بعض من يمارسون التمييز داخل مجتمعاتهم يتعرضون هم أنفسهم لأشكال مشابهة من التمييز عندما يهاجرون أو يعملون في الخارج. هذا يكشف أن العنصرية ليست مجرد مشكلة “محلية”، بل جزء من منظومة عالمية من التراتب العرقي والاقتصادي.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد إدانة أخلاقية. تحتاج إلى مراجعة ثقافية وفكرية عميقة تعيد تعريف مفهوم الكرامة الإنسانية. المجتمع الذي يقبل إهانة الإنسان بسبب لونه أو قبيلته يضعف أسس العدالة فيه، لأن التمييز يبدأ بالكلمات لكنه ينتهي غالباً بالحرمان من الحقوق.
التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية والسودانية اليوم هو الانتقال من ثقافة الهوية المغلقة إلى ثقافة المواطنة المتساوية. يجب أن يكون الانتماء للوطن والإنسانية أوسع من حدود القبيلة أو اللون. التنوع ليس تهديداً لوحدة المجتمع، بل مصدر قوته إذا أُدير بروح العدالة والاحترام.
في النهاية، يبقى المعيار الذي وضعه القرآن واضحاً: الإنسان يُقاس بخلقه وتقواه وعمله، لا بلونه ولا بنسبه. عندما تدرك المجتمعات هذه الحقيقة بعمق، يمكنها أن تتحرر من إرث طويل من التمييز، وتبني مستقبلاً أكثر عدلاً وإنسانية.




