مقالات

رسالة من صناديق الاقتراع إلى العالم.. ماذا تعني هزيمة ترامب في انتخابات التجديد النصفي؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com

تابع العالم أمس، عبر وكالات الأنباء والقنوات الفضائية والصحف، باهتمام واسع مجريات انتخابات التجديد النصفي الأميركية وما صاحبها من تنافس محتدم بين الحزب الجمهوري الحاكم والحزب الديمقراطي، في سباق انتخابي اتسم بتعدد القضايا والرهانات السياسية والاقتصادية وتباين برامج المرشحين ومواقفهم، الأمر الذي أضفى على المشهد قدراً كبيراً من الإثارة وجذب اهتمام الرأي العام العالمي. ولم يكن ذلك الاهتمام مستغرباً، بالنظر إلى مكانة الولايات المتحدة وتأثير نتائج انتخاباتها في توازنات السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.


غير أن أهمية هذا الاستحقاق لا تقف عند حدود فوز حزب وخسارة آخر، أو انتقال السيطرة على مجلسي النوب والكونغرس من الجمهوريين إلى الديمقراطيين وإنما تتجاوز ذلك إلى ما كشفته صناديق الاقتراع من قدرة الناخبين على مراجعة أداء السلطة ومحاسبة ممثليها وإعادة تشكيل موازين القوى داخل مؤسسات الحكم. ومن هنا، تبرز أسئلة تتجاوز حدود واشنطن هل نحن أمام انتكاسة انتخابية عابرة للرئيس دونالد ترامب وحزبه أم تحول أعمق في المشهد السياسي الأميركي؟ وما انعكاسات ذلك على السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، من إيران وإسرائيل وفلسطين إلى أمن الخليج مروراً بالحرب في السودان؟ والأهم من ذلك، ما الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الأميركية بشأن الديمقراطية والشفافية والرقابة الشعبية والمساءلة في وقت لا يزال فيه السودان يبحث عن طريقه نحو دولة المؤسسات والمواطنة وسيادة القانون؟

عليه لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026، مجرد استحقاق دستوري لتجديد مقاعد الكونغرس، لكنها تحولت إلى اختبار سياسي واسع لسياسات الرئيس دونالد ترامب ولمدى قدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بثقة الناخبين بعد نحو عامين من عودة ترامب إلى البيت الأبيض. فقد أفرزت النتائج تحولاً لافتاً في موازين القوى، مع انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي في تطور يضع الإدارة الأميركية أمام واقع سياسي ومؤسسي مختلف خلال النصف الثاني من ولايتها.


غير أن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن في عدد المقاعد التي خسرها الجمهوريون أو كسبها الديمقراطيون فحسب بل في الرسائل السياسية التي حملتها صناديق الاقتراع والأسئلة التي أثارتها بشأن طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وحدود النفوذ الرئاسي وقدرة المؤسسات الديمقراطية على تصحيح مسار الحكم عبر الإرادة الشعبية.

الاقتصاد حين يتحول إلى امتحان سياسي، تصدّر الاقتصاد وتكاليف المعيشة قائمة العوامل التي أسهمت في تراجع الجمهوريين. فقد اصطدمت وعود ترامب بتحسين الأوضاع الاقتصادية باستمرار الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الناخبين إلى تقييم أداء الإدارة استناداً إلى ما تلمسه في حياتها اليومية لا إلى ما ترفعه من شعارات سياسية.


وزادت الرسوم الجمركية والحرب مع إيران من تعقيد المشهد، إذ لم تعد السياسة الخارجية بعيدة عن اهتمامات المواطن الأميركي بعدما انعكست تكاليفها على الأسعار والطاقة والإنفاق العام. وتشير استطلاعات الرأي التي سبقت الاقتراع إلى أن الاقتصاد وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية والحرب مع إيران كانت من أبرز أولويات الناخبين. وهنا تتجلى إحدى الحقائق المهمة في الديمقراطيات الانتخابية، فالتفويض الشعبي ليس شيكاً على بياض للحاكم والنجاح الانتخابي السابق لا يعفي السلطة من المحاسبة اللاحقة. فالناخب الذي يمنح صوته على أساس الوعود يستطيع إعادة تقييم خياره عندما تتباعد النتائج عن التوقعات.

ترامب والحزب الجمهوري بين أزمة ارتباط أم أزمة سياسات؟، كشفت النتائج أيضاً عن إشكالية العلاقة بين الحزب الجمهوري وشخصية ترامب. فقد ربط الحزب جانباً كبيراً من حضوره الانتخابي بمكانة الرئيس وشعبيته، حتى أصبح الدفاع عن سياساته جزءاً أساسياً من الحملات الانتخابية لعدد من مرشحيه.


غير أن هذه الاستراتيجية جعلت بعض المرشحين يتحملون كلفة المواقف الرئاسية، حتى في الولايات التي كان بإمكانهم المنافسة فيها على أساس برامجهم المحلية وسجلاتهم السياسية المستقلة. وتبرز خسارة مرشحين حظوا بدعم ترامب، من بينهم مايكل واتلي في كارولاينا الشمالية وكين باكستون في تكساس، دلالة مهمة على أن التأييد الرئاسي لا يضمن بالضرورة ثقة الناخبين وأن الولاء الحزبي لا يستطيع دائماً تعويض ضعف القدرة على استقطاب المستقلين والمعتدلين.


أما تصريح ترامب باستعداده لقبول النتائج والعمل مع الديمقراطيين مع إرجاع جانب من خسائر حزبه إلى غياب اسمه عن بطاقات الاقتراع، فيعكس محاولة للتعامل مع واقع سياسي جديد لكنه لا يلغي حاجة الحزب إلى مراجعة أسباب تراجع شعبيته.


والسؤال الذي سيواجه الجمهوريين الآن ليس فقط كيف يستعيدون المقاعد، بل كيف يعيدون التوازن بين هوية الحزب المؤسسية والقيادة الشخصية وبين الولاء السياسي ومتطلبات التمثيل الشعبي.

الكونغرس والنواب الجديد وحدود السلطة الرئاسية، يكتسب انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس والنواب أهمية خاصة في ضوء طبيعة النظام الدستوري الأميركي القائم على الفصل بين السلطات والتوازن والرقابة المتبادلة.


فالرئيس، مهما اتسعت صلاحياته التنفيذية لا يمتلك سلطة مطلقة في إدارة الدولة. فالكونغرس يسنّ القوانين ويقر الموازنات ويراقب أداء الحكومة ويمارس صلاحيات مؤثرة في ملفات التعيينات والاتفاقيات والسياسة الخارجية.
ومن ثم، فإن وجود أغلبية ديمقراطية في المجلسين سيمنح المعارضة قدرة أكبر على مساءلة الإدارة وفتح التحقيقات ومراجعة الإنفاق والقرارات التنفيذية وعرقلة بعض التشريعات التي تتعارض مع توجهاتها.


لكن ذلك لا يعني انتقال السلطة التنفيذية إلى الديمقراطيين أو امتلاكهم القدرة على تغيير جميع سياسات ترامب. فالرئيس يحتفظ بصلاحياته الدستورية ويمكنه استخدام حق النقض ضد التشريعات، بينما تحتاج القوانين إلى توافقات مؤسسية تتجاوز مجرد امتلاك الأغلبية العددية.
وبذلك تدخل واشنطن مرحلة جديدة من التوازن السياسي قد تتسم بالتفاوض والتسويات في بعض الملفات وبالتجاذب والمواجهة في ملفات أخرى.

من واشنطن إلى الشرق الأوسط هل تتغير السياسة الأميركية؟، تتجاوز تداعيات الانتخابات حدود الولايات المتحدة، بالنظر إلى موقعها الدولي وتأثير قراراتها في الأمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. غير أن انتقال الأغلبية في الكونغرس لا يعني بالضرورة حدوث انقلاب فوري في توجهات السياسة الخارجية الأميركية.


في ملف إيران، يمكن للأغلبية الديمقراطية أن توسع الرقابة على إدارة الحرب وتناقش مبررات استمرارها وتكاليفها المالية والإنسانية وتستخدم صلاحياتها التشريعية والرقابية للتأثير في مسارها. لكن القرارات التنفيذية المتعلقة بالتحركات العسكرية والدبلوماسية تظل مرتبطة أيضاً بصلاحيات الرئيس.


أما في العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، فقد يزداد حضور النقاش داخل الكونغرس بشأن المساعدات العسكرية وحماية المدنيين والموقف من الحرب والانتهاكات الإنسانية، خصوصاً في ظل تنامي الاختلافات داخل الأوساط السياسية الأميركية بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل.


ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين تغير التوازن الحزبي وتغير السياسة الخارجية ذاتها، فالمواقف الأميركية تجاه إسرائيل وأمن الخليج وإيران تتأثر أيضاً بالمصالح الاستراتيجية ومؤسسات الأمن القومي والالتزامات الدولية وحسابات الإدارة التنفيذية.


وفي منطقة الخليج قد ينعكس التغير على النقاش بشأن الإنفاق العسكري وأمن الممرات البحرية والعلاقات مع الحلفاء وحدود الانخراط الأميركي في الصراعات الإقليمية. لكن المصالح الاستراتيجية الممتدة لا تتغير بالضرورة بتغير الأغلبية البرلمانية.

السودان بين فرص الاهتمام الدولي وحدود التأثير، بالنسبة إلى السودان الذي يعيش حرباً مدمرة منذ 15 أبريل 2023، فإن التحول في الكونغرس الأميركي يستحق المتابعة لا باعتباره ضمانة لتغيير الموقف الأميركي لكن لما قد يتيحه من فرص لتوسيع الاهتمام بالملف السوداني داخل المؤسسات التشريعية.


فقد يؤدي تنامي الدور الرقابي للكونغرس إلى زيادة مساءلة الإدارة بشأن جهود وقف الحرب،
وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ومراجعة مواقف الأطراف الخارجية التي تسهم في استمرار الصراع. كما يمكن للجان المختصة أن تمنح الأزمة السودانية مساحة أوسع للنقاش وأن تطالب بسياسة أكثر اتساقاً تجاه وحدة السودان وسيادته ورفض إنشاء سلطات متعدد ودعم مسار سياسي مدني لا يختزل مستقبل البلاد في التنافس العسكري.


غير أن الرهان على التغيير الأميركي وحده يظل محدوداً، فمستقبل السودان لا ينبغي أن يكون رهينة لتبدل الإدارات أو الأغلبية الحزبية في واشنطن. والمطلوب قبل كل شيء بناء إرادة وطنية مستقلة وتوافق سوداني حول إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة على المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات.

الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، لعل الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الأميركية لا يتعلق بهزيمة حزب أو انتصار آخر، بل بطبيعة النظام المؤسسي الذي يجعل تداول السلطة والمحاسبة جزءاً من الحياة السياسية.


فالانتخابات الأميركية تقوم على تنافس حزبي وحق الاقتراع وتعدد المرشحين وإدارة انتخابية موزعة بين الولايات والمقاطعات ورقابة ومراجعة لعمليات التصويت والفرز، فضلاً عن إجراءات التدقيق وإعلان النتائج والتصديق عليها.


ومن المهم هنا التمييز بين إعلان وسائل الإعلام فوز مرشح استناداً إلى النتائج الأولية وبين التصديق الرسمي الذي تتولاه السلطات الانتخابية المختصة بعد استكمال الفرز والمراجعة. وهذه المسافة الإجرائية ليست تفصيلاً بيروقراطياً، بل ضمانة لسلامة العملية الانتخابية واحترام إرادة الناخبين.
كما أن استقلال الإدارة الانتخابية وتعدد مستويات الرقابة وإمكانية الطعن القانوني ووجود مؤسسات تشريعية قادرة على مساءلة السلطة التنفيذية، تمثل عناصر أساسية في حماية النظام الديمقراطي.


ومع ذلك، لا تخلو التجربة الأميركية من أوجه قصور ونقاشات تتعلق بتمويل الحملات وإعادة رسم الدوائر الانتخابية وتفاوت فرص التمثيل والمشاركة. ولذلك فإن الاستفادة منها لا تعني استنساخها لكن فهم آلياتها المؤسسية وتطوير ما يتناسب مع خصوصية المجتمعات الأخرى.


وهنا تبرز أهمية الدرس بالنسبة إلى السودان، إذ لم تكن أزمتنا التاريخية في غياب الانتخابات وحدها لكن في ضعف المؤسسات التي يفترض أن تحمي نتائجها وتضمن استقلال القضاء وتراقب السلطة التنفيذية وتحول دون احتكار الدولة من جانب حزب أو جماعة أو مؤسسة عسكرية.


لقد شهد السودان تجارب انتخابية وانتفاضات شعبية متعاقبة، لكن تعثر الانتقال الديمقراطي ظل مرتبطاً بغياب الاستقرار المؤسسي واختلال العلاقة بين المدنيين والعسكريين ومركزية السلطة وضعف قواعد التداول السلمي للحكم.
ومن ثم، فإن بناء الدولة المدنية لا يبدأ بصندوق الاقتراع وينتهي عند إعلان النتائج لكن يبدأ بتأسيس منظومة متكاملة من الحقوق والحريات والمؤسسات المستقلة والمساءلة والشفافية.

علية عندما تصبح الانتخابات وسيلة لمراجعة السلطة، إن ما جرى في انتخابات التجديد النصفي الأميركية يؤكد أن الديمقراطية ليست تفويضاً أبدياً لحزب أو رئيس لكنها عملية مستمرة لمراجعة السلطة وتصحيح مسارها عبر المؤسسات والإرادة الشعبية.


وقد خسر الجمهوريون الأغلبية لكن الأهم أن النظام السياسي أتاح للناخبين إعادة توزيع موازين القوة ووضع الإدارة أمام واقع تشريعي ورقابي جديد. وفي المقابل، فإن فوز الديمقراطيين لا يمنحهم تفويضاً مطلقاً لكن يضعهم أيضاً أمام مسؤولية إثبات قدرتهم على الاستجابة لأولويات المواطنين.
أما العالم، ومنه الشرق الأوسط والسودان، فعليه أن يدرك أن تغير موازين القوى في واشنطن قد يفتح نوافذ جديدة لكنه لا يصنع وحده حلول الأزمات.


وبالنسبة إلى السودان، تبقى الخلاصة الأعمق أن الدولة لا تُبنى بمجرد إجراء الانتخابات ولا تُحمى بمجرد تغيير الحكام، لكن بقيام مؤسسات دستورية مستقلة ومواطنة متساوية وقضاء عادل ورقابة فاعلة وسلطة تخضع للمساءلة ولا تعلو على القانون.
فالديمقراطية الحقيقية ليست أن نختار من يحكمنا فحسب بل أن نمتلك المؤسسات والضمانات التي تمنع من نختاره من التحول إلى سلطة فوق إرادة الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى