النقابات من توثيق الانتهاكات إلى استعادة الحقوق (4-7)

.
كتب: حسين سعد
لا تنتهي أزمة الحركة النقابية السودانية عند وقف الحرب، ولا تُحل بمجرد فتح المصانع أو استئناف العمل في المؤسسات العامة. فهناك سؤال يتعلق بما حدث للنقابات نفسها: من فقد حقه في التنظيم؟ من تعرض للفصل أو الإقصاء بسبب نشاطه النقابي؟ ما مصير التنظيمات التي جرى حلها أو تعطيلها؟ وهل يمكن إعادة بناء حركة نقابية مستقلة من دون معالجة آثار التدخل السياسي والانتهاكات التي طالت العاملين وقياداتهم؟
هذه الأسئلة تضع النقابات وسط النقاش حول العدالة الانتقالية. فالحركة النقابية ليست مجرد وسيلة للمطالبة بالأجور، بل جزء من البنية المدنية التي تمكّن المجتمع من الدفاع عن مصالحه ومراقبة السلطة والتفاوض بشأن توزيع الموارد والفرص.
حال تعرض النقابات للحل أو السيطرة أو الإقصاء، لا يخسر أعضاؤها مؤسسة مهنية فقط؛ بل يخسر المجتمع قناة أساسية للتمثيل والمساءلة. لذلك فإن العدالة الانتقالية التي تعالج الانتهاكات الفردية وتتجاهل تدمير المؤسسات المدنية قد تنجح في توثيق جانب من الماضي، لكنها تترك أحد مصادر الأزمة قائماً.
تفكيك المؤسسات:
يشير تقرير لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية لعام 2026 إلى مخاوف الاتحاد الدولي للنقابات بشأن اعتقال ناشطين خلال الحرب، واستمرار آثار إعلان عدم قانونية النقابات التي تشكلت بعد ثورة ديسمبر 2019. كما تدعو اللجنة الحكومة إلى عدم التدخل في عمل منظمات العمال وأصحاب العمل، وضمان ممارسة أنشطتها بحرية ومن دون خوف من الانتقام أو التمييز( تقرير منظمة العمل الدولية للعام 2026م).
وهذه الملاحظات تفتح أمام أي مشروع للعدالة الانتقالية قضية تتجاوز تحديد المسؤولية عن انتهاك بعينه. عندما يُحرم العاملون من تنظيم أنفسهم، أو تُقيّد قدرة النقابات على تمثيل أعضائها، فإن الأثر يمتد إلى سوق العمل وإلى توازن القوى داخل المجتمع.
ومن الناحية النقابية، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من الضرر: الضرر الذي يصيب الأفراد، مثل الاعتقال أو التهديد أو الفصل بسبب النشاط النقابي؛ والضرر الذي يصيب التنظيمات، مثل تعطيل عملها أو التدخل في انتخاباتها أو حرمانها من ممارسة وظائفها؛ والضرر المؤسسي الأوسع، المتمثل في إضعاف قدرة العاملين على التفاوض والمشاركة في الحياة العامة.
وتوفر بيانات سكرتارية الحريات للعام 2025م ، مثالاً عملياً على ضرورة الجمع بين توثيق الانتهاكات الفردية وفهم أثرها المؤسسي. فقد وثق التقرير مقتل 30 صحفياً خلال عامي الحرب، وأشار إلى وفاة أربعة صحفيين أثناء احتجازهم لدى قوات الدعم السريع، كما سجل 73 حالة اعتقال تعسفي أو اختفاء قسري أو احتجاز، شملت 12 امرأة. ومن بين الحالات التي أوردها التقرير صحفيون تعرضوا للضرب أو التعذيب أو حُرموا من الرعاية الصحية أثناء الاحتجاز، وفق ما نسبه إلى الشهادات والمعلومات التي رصدها. وتستدعي هذه الوقائع تحقيقات مستقلة، وحفظ الأدلة، وتحديد المسؤوليات، وضمان حق الضحايا وأسرهم في الإنصاف؛ مع ضرورة التعامل مع كل حالة وفق ما يثبت فيها وعدم تعميم المسؤولية خارج الوقائع الموثقة. (نقابة الصحفيين السودانيين، سكرتارية الحريات، تقرير الحريات لعامي الحرب في السودان، 2025)..
غالباً ما يُختزل النقاش حول العدالة الانتقالية في المحاسبة الجنائية أو التعويضات أو كشف الحقائق بشأن الانتهاكات الجسيمة. وهذه مسارات مهمة، لكنها لا تستنفد مفهوم العدالة الانتقالية ولا متطلبات التعافي المؤسسي.
فإذا تعرضت مؤسسة للتفكيك أو التدخل، فإن معالجة آثار ذلك قد تحتاج إلى معرفة ما حدث، وتحديد المسؤوليات، واستعادة الحقوق حيثما أمكن، وإصلاح القواعد التي سمحت بتكرار الانتهاك. وفي حالة النقابات، يعني ذلك النظر في حق العاملين في اختيار ممثليهم، وحرية التنظيم، واستقلال الموارد، والديمقراطية الداخلية، والقدرة على التفاوض.
ولا يكفي الاعتراف بوجود انتهاكات في الماضي إذا ظلت القواعد التي تقيد استقلال النقابات قائمة. كما لا يكفي تعديل القانون إذا بقي الخوف من الانتقام أو التمييز قائماً في الممارسة. فالعدالة التي لا تغير الشروط المؤسسية التي سمحت بالانتهاك تظل معرضة لأن تصبح تسوية مؤقتة، لا تحولاً مستداماً.
التوثيق أولاً: من دون سجل موثوق تضيع الحقوق لا يمكن بناء مسار جاد للعدالة الانتقالية من دون توثيق منظم. فالمطالب العامة باستعادة الحقوق قد تصطدم بعد سنوات بصعوبة إثبات الوقائع، أو فقدان الوثائق، أو غياب سجلات العضوية والانتخابات والقرارات الإدارية.
ولهذا تحتاج الحركة النقابية إلى مبادرة مستقلة لتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها النقابيون والتنظيمات العمالية. ويمكن أن تشمل جمع شهادات المتضررين، وحفظ القرارات والمراسلات والسجلات المتاحة، وتوثيق حالات الفصل أو الحرمان من العمل المرتبطة بالنشاط النقابي، وتسجيل حالات الاعتقال أو التهديد التي تتوافر بشأنها معلومات قابلة للتحقق.
ويجب أن يميز التوثيق بين الوقائع المثبتة، والشهادات التي تحتاج إلى تحقق إضافي، والادعاءات التي لم تُحسم بعد. كما ينبغي مراعاة موافقة الشهود وسلامتهم وسرية البيانات، خصوصاً في ظل استمرار المخاطر التي قد يتعرض لها الضحايا أو أسرهم ، ومن المهم أيضاً أن يتناول التوثيق الأثر المؤسسي، لا الأضرار الفردية فقط: هل تعطلت النقابة؟ هل فقدت مقارها أو وثائقها؟ هل حُرمت من الوصول إلى أعضائها؟ هل أُعيق انتخاب قياداتها؟ وهل ما زالت الآثار قائمة؟
استعادة الحقوق:
بعد التوثيق والتحقق، يبرز سؤال جبر الضرر. وقد يتخذ ذلك أشكالاً متعددة وفق ما تثبته الوقائع والإجراءات القانونية: إعادة العامل إلى وظيفته حيث يكون ذلك ممكناً ومناسباً، وتسوية المستحقات، وإزالة القرارات التمييزية، واستعادة الحقوق التنظيمية، أو تقديم تعويضات وفق آليات قانونية عادلة.
أما على المستوى المؤسسي، فقد يتطلب الأمر استعادة السجلات والوثائق، وإتاحة مقار للعمل النقابي، وإزالة القيود غير المشروعة التي تمنع التنظيمات من ممارسة أنشطتها، وإنشاء آليات مستقلة لتلقي الشكاوى والبت فيها، لكن لا ينبغي افتراض أن جميع الحالات متطابقة أو أن حلاً واحداً يصلح لكل المتضررين. فكل مطالبة تحتاج إلى توثيق وتقييم، مع ضمان حق الأطراف في الرد والطعن وفق إجراءات عادلة ، والغاية ليست الانتقام أو إقصاء فئة لمصلحة أخرى، بل معالجة الضرر، وإعادة الاعتبار للحقوق، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
تكتسب المراجعة القانونية أهمية خاصة في ضوء ملاحظات منظمة العمل الدولية بشأن قانون النقابات لسنة 2010، وضرورة مواءمته مع الاتفاقيتين رقم 87 و98. وقد طلبت اللجنة مراجعة القانون بالتشاور الكامل مع الشركاء الاجتماعيين، وتقديم معلومات عن التقدم المحرز ( تقرير منظمة العمل الدولية، لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات)
ومن منظور العدالة الانتقالية، ينبغي أن يتجاوز الإصلاح مجرد تغيير صياغة المواد. فالمطلوب هو بناء ضمانات تمنع تكرار التدخل، وتحمي حرية تأسيس النقابات والانضمام إليها، وتتيح التعددية، وتضمن استقلال الإدارة والموارد، وتضع آليات عادلة لتسوية النزاعات النقابية.
كما ينبغي أن تتوافر آليات مستقلة للطعن في القرارات التي تمس الحقوق النقابية، وضمانات تمنع التمييز بسبب النشاط النقابي، وإجراءات فعالة لمعالجة الشكاوى. فالقانون الذي يمنح العامل حقاً من دون أن يوفر سبيلاً عملياً لإنصافه يترك الحق ناقص الحماية.
المشاركة نقابية:
لا ينبغي أن تُصاغ السياسات المتعلقة بالعمل والنقابات بمعزل عن التنظيمات العمالية المستقلة. فمشاركة النقابات في الحوار بشأن الإصلاح تتيح تحديد الأولويات، وتساعد على فهم الأثر الفعلي للتشريعات والقرارات، وتمنح العمال فرصة لعرض مطالبهم، لكن هذه المشاركة لا ينبغي أن تكون حكراً على تنظيم واحد أو قيادة بعينها. فشرعية التمثيل تحتاج إلى آليات ديمقراطية واضحة، وإلى إتاحة المجال للعمال كي يختاروا من يتحدث باسمهم.
وتتطلب العدالة الانتقالية كذلك الاعتراف بأن النقابيين ليسوا مجرد أفراد تعرضوا لأضرار شخصية، بل قد يكونون جزءاً من مؤسسات مدنية تضررت قدرتها على أداء دورها. ولهذا ينبغي أن يجمع الإصلاح بين جبر الضرر الفردي وإعادة بناء المؤسسات وضمان عدم التكرار ، إن العدالة الانتقالية لا تكتمل من دون الاعتراف بالضرر الذي أصاب التنظيم النقابي، وإصلاح القواعد التي قيدت حريته، وضمان حق العاملين في بناء منظماتهم بأنفسهم.
لكن معالجة الماضي لا تكفي وحدها. فحتى بعد إصلاح القانون وتوثيق الانتهاكات، ستظل الحركة النقابية أمام سؤال المستقبل: كيف تبني تنظيماً مستقلاً وديمقراطياً، لا يعيد إنتاج الاحتكار أو التبعية، ويستطيع الدفاع عن العمال في دولة ما بعد الحرب؟ (يتبع)




