رؤية نقدية وتحليلية حول اتفاقية أديس أبابا وانتصار السلام على الحرب وغياب الدروس المستفادة والتجربة

الموت يغيب الجنرال جوزيف لاقو
رؤية نقدية وتحليلية حول اتفاقية أديس أبابا وانتصار السلام على الحرب وغياب الدروس المستفادة والتجربة
مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com
برحيل الفريق المتقاعد جوزيف لاقو يانقا في العاصمة جوبا، عن عمر ناهز 94 عاماً لا تفقد دولة جنوب السودان أحد أبرز رموز جيل التحرير الأول فحسب وإنما تستعيد الذاكرة السودانية المشتركة واحدة من أهم محطاتها السياسية والتاريخية، تلك التي أثبتت أن الحروب مهما طال أمدها وتعقدت أسبابها، ليست قدراً محتوماً وأن إرادة السلام حين تلتقي بالحكمة السياسية تستطيع أن تفتح أبواباً ظلت مغلقة أمام أجيال من السودانيين.
لم يكن جوزيف لاقو مجرد قائد عسكري لحركة أنانيا خلال الحرب الأهلية الأولى لكنه كان أحد أبرز الفاعلين في الانتقال من ميدان المواجهة المسلحة إلى طاولة التفاوض وهي النقلة التي توجت بتوقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين حكومة الرئيس جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان منهية حرباً استمرت منذ عام 1955 ومؤسسة لمرحلة جديدة من الحكم الذاتي الإقليمي في جنوب البلاد.
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بين جيش ومتمردين وإنما بوصفها أزمة سياسية وتاريخية ارتبطت بقضايا الهوية والسلطة والتمثيل السياسي والتنمية والاعتراف بالخصوصية الثقافية والإقليمية. ومن هنا جاءت الاتفاقية لتقدم معالجة سياسية تجاوزت منطق الانتصار والهزيمة وفتحت المجال أمام استيعاب المقاتلين السابقين في القوات المسلحة ومؤسسات الدولة وإنشاء مؤسسات حكم ذاتي للإقليم الجنوبي.
لقد أدركت الأطراف في تلك اللحظة التاريخية أن استمرار الحرب لن يمنح أياً منها الاستقرار الذي تنشده وأن التنازلات المتبادلة ليست بالضرورة هزيمة سياسية، لكن قد تكون الطريق الأكثر واقعية لحماية المصالح المشتركة. وبذلك استطاعت الاتفاقية أن توقف نزيفاً بشرياً استنزف البلاد وأن تمنح أبناء الجنوب فرصة لإدارة شؤون إقليمهم والمشاركة في مؤسسات الدولة السودانية.
ولعل أهم ما يستحق التأمل أن اتفاقية أديس أبابا لم تكن مشروعاً لتحقيق مكاسب لطرف على حساب آخر، فقد أتاحت للجنوب حكماً ذاتياً ومؤسسات إقليمية وفي الوقت نفسه أعادت للسودان فرصة الحفاظ على وحدته وفتحت أمام مواطنيه أملاً في بناء دولة تستوعب تعدد مكوناتها. كانت تلك لحظة التقاء بين تطلعات الجنوبيين في الحكم والاعتراف والإنصاف ومصلحة السودانيين جميعاً في إنهاء الحرب وصيانة وحدة البلاد.
غير أن قيمة التجربة لا تكتمل باستحضار نجاحها دون الوقوف عند أسباب تعثرها وانهيارها لاحقاً. فقد تعرضت الاتفاقية لتراجعات سياسية ومؤسسية متراكمة، بلغت ذروتها عندما ألغى نظام نميري ترتيبات الحكم الذاتي عام 1983 وأعاد تقسيم الإقليم الجنوبي في سياق إجراءات أفضت إلى تقويض التفاهمات التي قامت عليها التسوية. وكانت النتيجة تجدد الحرب بما حملته من خسائر إنسانية وسياسية وصولاً إلى استقلال جنوب السودان عام 2011.
وهنا يبرز الدرس الأهم ليس التوصل إلى اتفاق سلام هو نهاية الأزمة وإنما بداية الاختبار الحقيقي لمدى الالتزام به. فالسلام لا تحميه النوايا الحسنة وحدها ولا تكفي فيه التوقيعات والاحتفالات الرسمية لكنه يحتاج إلى مؤسسات دستورية راسخة وضمانات واضحة وآليات مستقلة لمراقبة التنفيذ وإرادة سياسية تمنع أي طرف من الانفراد بتغيير قواعد التسوية وفقاً لموازين القوة ومصالح السلطة. كما تكشف التجربة أن معالجة المظالم التاريخية لا تتحقق بمجرد وقف إطلاق النار وإنما تتطلب إصلاحاً حقيقياً لبنية الدولة وإعادة النظر في مركزية السلطة والثروة وضمان المشاركة العادلة والاعتراف بالتنوع باعتباره مصدراً للثراء الوطني لا مدخلاً للانقسام. فالمشكلة لم تكن يوماً في تعدد السودان وإنما في عجز الدولة عن إدارة هذا التعدد ضمن مشروع وطني جامع.
ومن المفارقات التاريخية أن جوزيف لاقو الذي قاد حركة أنانيا وساهم في إنهاء الحرب الأولى عاش ليرى اندلاع الحرب الثانية ثم استقلال جنوب السودان وهي تحولات تختصر مسيرة طويلة من الصراع والتفاوض وتبدل الخيارات السياسية. كما أن عدداً من الضباط الذين خدموا تحت قيادته في مرحلة أنانيا أصبحوا لاحقاً من أبرز الشخصيات في تاريخ الجنوب ومن بينهم سلفا كير ميارديت والراحل دكتور جون قرنق.
وبالنسبة للسودان اليوم، الذي يعيش منذ الخامس عشر من أبريل 2023 حرباً مدمرة. فإن استحضار تجربة جوزيف لاقو واتفاقية أديس أبابا ليس مجرد استدعاء لذكرى تاريخية لكن ضرورة سياسية وفكرية. فالحرب الراهنة بما أحدثته من دمار وانقسام ونزوح وتراجع لمؤسسات الدولة تعيد طرح الأسئلة القديمة ذاتها حول طبيعة الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم والعدالة في توزيع السلطة والثروة وكيفية بناء جيش وطني ومؤسسات عامة تعبر عن جميع المواطنين.
وإذا كانت اتفاقية أديس أبابا قد أثبتت إمكانية إنهاء حرب امتدت قرابة سبعة عشر عاماً. فإن التجربة السودانية الراهنة تفرض الاستفادة من أسباب نجاحها دون إغفال العوامل التي أدت إلى انهيارها. فلا يجوز أن يكون السلام مجرد هدنة مؤقتة بين القوى المسلحة أو اقتساماً للمناصب والنفوذ بينما تظل جذور الأزمة قائمة. المطلوب تسوية وطنية تعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والعدالة، وتضع حداً لدورات العنف وإعادة إنتاج الحرب.
ومن المهم كذلك التمييز بين وحدة البلاد بوصفها قيمة سياسية وإنسانية وبين فرضها بالقوة أو اختزالها في حدود جغرافية لا تسندها إرادة مشتركة. فالوحدة الحقيقية لا تصنعها الشعارات وإنما تبنيها العدالة والثقة والاعتراف المتبادل والمصلحة المشتركة. وقد أظهرت تجربة السودان أن تجاهل هذه الأسس يجعل السلام هشاً ويحول الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة تهدد مستقبل الأوطان.
لقد رحل جوزيف لاقو لكن سيرته تترك للأجيال السودانية درساً يتجاوز حدود جنوب السودان وتاريخه. أن القائد الحقيقي لا تُقاس مكانته فقط بما يحققه في ميدان المواجهة وإنما أيضاً بقدرته على إدراك اللحظة التي يصبح فيها السلام أكثر شجاعة وأهمية من مواصلة الحرب.
إن اتفاقية أديس أبابا عام 1972 تظل واحدة من أهم التجارب التي شهدها السودان في إدارة النزاعات والتوصل إلى تسوية سياسية، فقد منحت شعب الجنوب فرصة تاريخية للحكم الذاتي وأتاحت لبقية السودانيين عقداً من السلام النسبي. لكن انهيارها أكد أن الاتفاقيات التي لا تتحول إلى مؤسسات وضمانات وممارسات ديمقراطية تظل عرضة للانتكاس.
ولعل أصدق تكريم لجوزيف لاقو ولجيل كامل دفع أثمان الحروب بحثاً عن السلام، لا ان نكتفي بتشييع رموزه واستعادة بطولاتهم، لكن أن نتعلم من تجاربهم وأن ندرك أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة ولا تُصان بإقصاء مكوناتها وإنما بإرادة سياسية تؤمن بأن كرامة الإنسان وحقوقه وعدالة الدولة هي الأساس الذي يستحق أن يجتمع حوله الجميع.




