(الجزيرة تحت النار).. من سنوات الانهيار إلى سؤال إعادة الإعمار

متابعات : الجاسر نيوز
صدر عن مركز سلاميديا كتاب «الجزيرة تحت النار: الأرض والحرب» للصحفي ومدافع حقوق الإنسان حسين سعد في محاولة توثيقية وصحفية وحقوقية وإنسانية لمسيرة مشروع الجزيرة والمناقل منذ نشأته وتطوره مروراً بسنوات التدهور والخصخصة وأزمات الإنتاج والري والإدارة وصولًا إلى تداعيات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م وما خلفته من نزوح وانتهاكات ونهب للآليات والمعدات وتعطيل للإنتاج الزراعي والأسواق.
يقع الكتاب في ستة فصول ويتجاوز في معالجته توثيق خسائر الحرب إلى البحث في جذور الأزمة التي سبقتها وطرح أسئلة حول مستقبل المشروع وإمكانية إعادة بنائه على أسس أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
ويؤكد الكتاب أن أزمة المشروع لم تبدأ مع الحرب وإنما تراكمت عبر سنوات من مشكلات الري والتمويل والإدارة والتشريعات والخدمات والإنتاجية قبل أن تأتي الحرب لتكشف هشاشة تلك البنية وتعمق أزمتها.
يتتبع الفصل الأول نشأة مشروع الجزيرة وفكرة الزراعة المروية وقيام خزان سنار عام 1925 ثم توسع المشروع إلى المناقل ودوره في الاقتصاد السوداني والإنتاج الزراعي والصادرات والدخل وفرص العمل والمجتمع الريفي.
ويقدم الكتاب المشروع باعتباره أكثر من مساحة زراعية فهو منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة ارتبطت بها حياة ملايين السودانيين وتشكلت حولها القرى والأسواق والخدمات وربطت بين الأرض والمياه والإنتاج والنقل والتسويق والتصنيع.
يناقش الفصل الثاني قوانين مشروع الجزيرة وتطور ملكية الأرض والحيازة والعلاقة بين الدولة والمزارعين وأدوار إدارة المشروع والتشريعات التي حكمت مسيرته وما أثارته من قضايا قانونية واقتصادية وسياسية.
ويتناول الفصل التحولات التي طرأت على علاقة المزارع بالمشروع وصولًا إلى قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م الذي أحدث تغييرات كبيرة في الإدارة وعلاقات الإنتاج ودور المزارعين وأصول المشروع وألغى التركيبة المحصولية المنظمة في إطار سياسات إصلاح وإعادة هيكلة أوسع.
ويرصد الفصل الثالث سنوات التراجع التي سبقت الحرب من خلال ضعف التمويل والاستثمار ومشكلات الإدارة وسياسات الإصلاح والخصخصة وتراجع خدمات الآليات والإرشاد والبحوث والتقاوي والمدخلات إلى جانب أزمات الري والديون وتراجع الإنتاجية.
ويربط الكتاب تراجع إنتاج القطن الذي كان تاريخيا أحد أهم محاصيل المشروع بمجموعة من العوامل المتداخلة بينها التمويل وتكاليف الإنتاج ومشكلات الري وتدهور الخدمات الزراعية والسياسات المتعلقة بالتركيبة المحصولية.
ويخصص الكتاب الفصل الرابع لتداعيات الحرب على مشروع الجزيرة والمناقل وما تعرضت له القرى والكنابي من انتهاكات ونزوح وفقدان للممتلكات إلى جانب نهب الآليات والمعدات وتضرر البنية التحتية وتعطيل الإنتاج والأسواق وضياع المواسم الزراعية.
ويؤكد الفصل أن الحرب لم تكن بداية أزمة المشروع لكنها ضاعفت اختلالاته السابقة وضربت الأرض والمزارع والبنية الإنتاجية وحولت المشروع من أحد أعمدة الاقتصاد والأمن الغذائي إلى واحدة من أبرز ساحات الخسارة والنزوح.
وفي المقابل يرصد الكتاب محاولات المزارعين للاستمرار في الإنتاج ومن بينها مبادرة «لازم نزرع» باعتبارها نموذجا لقدرة المجتمعات المحلية على ابتكار حلول في ظروف الحرب.
وينتقل الكتاب في الفصل الخامس من تشخيص الأزمة إلى بحث الإصلاح المؤسسي مؤكدًا أن إعادة بناء المشروع لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح ما دمرته الحرب بل يجب أن تشمل معالجة الاختلالات المؤسسية التي سبقتها.
ويطرح الفصل فكرة إعادة تأسيس المشروع على أسس جديدة تجمع خبرة المزارعين بتكنولوجيا المستقبل وتربط الإنتاج بالتصنيع والتخزين والتسويق، وتعزز مشاركة الشباب والنساء، وتحمي حقوق أصحاب الأراضي وتجعل المزارعين شركاء حقيقيين في الإدارة وصناعة القرار.
يفتح الفصل السادس نافذة على مرحلة ما بعد الحرب، من خلال طرح قضايا إصلاح الري والقوانين والإدارة والحوكمة، وإعادة التمويل، وتطوير البحث والإرشاد والتقاوي، وإدخال التكنولوجيا والرقمنة، وتعزيز دور الشباب والنساء.
ويقترح الكتاب، ضمن مراحل الإصلاح، تحديث قانون مشروع الجزيرة، وإصلاح المؤسسات وإعادة هيكلة الإدارة وتحديث نظام الري، ورقمنة الأراضي والسجلات، وتطوير البحوث والميكنة والصناعات الزراعية والتخزين والنقل، والتوسع في الطاقة الشمسية والزراعة الذكية مناخيًا، إلى جانب تمكين النساء والشباب. كما يطرح إنشاء صندوق وطني متعدد المانحين لإعادة إعمار المشروع، على أن يخضع لإدارة تتسم بالشفافية.
ويعتمد الكتاب على مزيج من التوثيق الصحفي والتحليل والرصد الحقوقي والشهادة الإنسانية، مستندًا إلى الوثائق والقوانين والدراسات والتقارير والإحصاءات، إلى جانب مقابلات وشهادات المزارعين والمهندسين والخبراء والقيادات الزراعية وأشخاص عاشوا الحرب داخل المشروع وتعرضوا للنزوح أو فقدان الأرض والمحصول والمأوى.
ويخلص الكتاب إلى أن إعادة إعمار مشروع الجزيرة والمناقل ليست قضية زراعية فحسب، وإنما جزء من إعادة بناء الاقتصاد والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في السودان. ويرى أن المطلوب ليس استعادة المشروع إلى صورته القديمة، وإنما بناء مشروع أكثر إنتاجية وكفاءة وعدالة واستدامة، يستفيد من التكنولوجيا والمعرفة، ويعيد الاعتبار للمزارع، ويربط الزراعة بالتصنيع والأسواق، ويجعل السلام والعدالة والتنمية أساسًا لعودة المشروع إلى الحياة.
ويضم الكتاب، إلى جانب فصوله الستة، خاتمة بعنوان «الأرض لا تموت»، وتوصيات وقائمة بالمصادر والمراجع، فيما يقدم المؤلف حسين سعد، وفق الكتاب، صحفيًا سودانيًا ومدافعًا عن حقوق الإنسان يمتلك خبرة صحفية تمتد لأكثر من عقدين، وارتبط عمله الصحفي والحقوقي بقضايا الزراعة وحقوق الإنسان والحريات العامة وقضايا مشروع الجزيرة والمناقل. ومن جهته قال الدكتور عباس التجاني المدير التنفيذي لمركز سلاميديا انهم بصدد تدشين الكتاب خلال الايام القادمة بنيروبي وكمبالا بمشاركة المهتمين بالزراعة وحقوق الانسان والخبراء الزراعيين




