مقالات

إستراحة الجمعة : استاذ الاجيال والمعلم أبو بكر مهدى جمعة الجبارى المشهور باستاذ الجباري.

استراحة الجمعة

استاذ الاجيال والمعلم أبو بكر مهدى جمعة الجبارى المشهور باستاذ الجباري.

اخرج المعرفة والثقافة والكتاب من المدرسة إلى الناس فى المدائن والحواري والشوارع

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com

ليست قيمة المعلم دائمًا فيما يلقنه لتلاميذه داخل الفصل وإنما فيما يتركه من أثر يمتد إلى ما بعد جدران المدرسة. فهناك معلمون يؤدون وظيفة التعليم وهناك آخرون يتحول التعليم على أيديهم إلى رسالة حياة ومشروع ثقافي يتجاوز حدود المهنة وزمن الدراسة.


ومن هذه النماذج يبرز اسم الأستاذ أبو بكر مهدي جمعة الشهير بالجباري (1923–1990م)، أحد أبناء الجزيرة أبا الذين ارتبطت سيرتهم بالتعليم وخدمة المجتمع ونشر المعرفة والثقافة والعلم . فقد بدأ حياته معلمًا، لكنه لم يتوقف عند حدود السبورة والكتاب المدرسي، بل حمل المؤلفات وقصص والكتاب والصحيفة إلى الناس وجعل من المعرفة شيئًا متاحًا في الطريق والمواصلات والمناسبات ومجالس الناس. وهنا تكمن أهمية تجربته فقد فهم مبكرًا أن نشر الثقافة والمعرفة والتعليم، لا ينتظر دائمًا أن يأتي الناس إلى المكتبة، لكن يمكنها أن تذهب إليهم.

من الفصل الدراسي إلى الفضاء الاجتماعي،
وُلد في مدينة الجزيرة أبا عام 1923م، ونشأ فيها وتلقى تعليمه بالخلوة ثم بالمدرسة الأولية، قبل أن يواصل تأهيله في المعهد العلمي. وبعد ذلك تلقى عددًا من الدورات والكورسات الفنية والإدارية في رفاعة والدويم ومدني وكوستي، وهو ما أسهم في تكوين شخصية تجمع بين المعرفة والثقافة والخبرة العملية.


وفي عام 1947م التحق بمهنة التدريس، متنقلًا بين عدد من المناطق، منها قوز خضراء وأبو ركبة والرديس وأم كديكوة والجزيرة أبا.
غير أن قراءة مسيرته تكشف أن التعليم بالنسبة إليه لم يكن وظيفة تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي. فقد ارتبط اسمه بتأسيس المدارس والمشاركة في أعمال إنشائها وتطوير العملية التعليمية في المناطق التي عمل بها.


وتروي الذاكرة الأسرية أنه اشترى من ماله الخاص قطعة الأرض التي تقوم عليها اليوم مدرسة أبو بكر الصديق للبنين مدرسة الجبارى سابقا، ثم سلّمها لوزارة التربية والتعليم. وبصرف النظر عن تفاصيل التوثيق التي تحتاج إلى حفظها في سجلات المؤسسة التعليمية، فإن هذه الرواية تكشف بوضوح عن تصور أوسع لدور المعلم، تصور يرى أن بناء المدرسة جزء من بناء المجتمع وأن خدمة التعليم مسؤولية عامة وليست مجرد أداء وظيفي.

مشروع ثقافي سابق لعصره، لكن الجانب الأكثر إثارة في تجربة الاستاذ الجباري ربما كانت خارج المدرسة. فقد كان شديد الاهتمام بالكتب والصحف ولم يكتفِ بقراءتها لنفسه، بل جعل من توزيعها ونشرها بين الناس نشاطًا مستمرًا. وتشير الرواية المتداولة عنه إلى أنه كان من أكثر الموزعين نشاطًا، حتى حصل على جائزة تشجيعية من إحدى الشركات الصينية التي كان يوزع إصداراتها. وهنا تتحول الحكاية من مجرد عادة شخصية إلى مشروع معرفي له دلالة اجتماعية.


ففي ذلك الزمن لم تكن وسائل المعرفة والثقافة متاحة بالسهولة التي نعرفها اليوم. لم تكن هناك هواتف ذكية ولا منصات إلكترونية ولا مكتبات رقمية ولا محركات بحث تضع ملايين الكتب والمقالات أمام القارئ بضغطة واحدة. كان الكتاب شيئًا ماديًا له ثمن والصحيفة تصل بعد مسافة والمعلومة تحتاج إلى من يبحث عنها ويحملها ويقرأها. وسط ذلك الواقع، اختار أن يكون وسيطًا بين المعرفة والناس. كان يحمل الكتب والصحف ومجلات معه في المواصلات والمناسبات والأماكن العامة ويعرضها على الناس، بحيث يصبح الجالس في مكانه قريبًا من عالم آخر الا هو عالم القراءة والثقافة والاطلاع.


إنها فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في مضمونها إتاحة المعرفة والثقافة لمن لا يبحث عنها بالضرورة.
ومن العبارات التي ارتبطت به في هذا المجال قوله البسيط والدال، اقرأ واترك السؤال عن سعر الكتاب. هذه العبارة تختصر جانبًا مهمًا من فلسفته في نشر المعرفة والثقافة. فهو لم يكن يتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة فحسب وإنما بوصفه وسيلة لتوسيع المدارك وبناء الإنسان.


والفارق كبير بين من يبيع كتابًا ومن يسعى إلى أن يجعل الناس يقرؤون. فالأول يتعامل مع الكتاب باعتباره منتجًا، أما الثاني فيراه بوابة إلى المعرفة. ومن هنا يمكن فهم مشروع الجباري المعرفى والثقافي باعتباره محاولة مبكرة لتحويل القراءة من نشاط خاص بفئة محدودة إلى ممارسة اجتماعية أوسع. كان يريد للكتاب أن يتحرك وأن يصل إلى القارئ في مكانه وأن يصبح جزءًا من حياته اليومية.

التعليم الذي لا ينتهي عند السبورة، تكمن أهمية تجربة الجباري أيضًا في أنها تقدم مفهومًا مختلفًا للمعلم. فالمعلم التقليدي ينتهي دوره في الظاهر بانتهاء الحصة. أما المعلم صاحب الرسالة، فإن مهمته تبدأ من الفصل ولا تنتهي عنده. وقد جسّد هذا المعنى بصورة عملية، فهو يعلّم التلاميذ في المدرسة، ثم يواصل نشر الثقافة المعرفة بين أفراد المجتمع من خلال الكتاب والصحيفة. وهكذا أصبح التعليم عنده دائرة متصلة مدرسة، ثم كتاب، ثم قارئ، ثم مجتمع أكثر اتصالًا بالمعرفة والثقافة.


ولعل هذه الفكرة هي ما جعلت أثره يتجاوز أجيال التلاميذ الذين درسوا على يديه. فالمدرسة تعلم الإنسان كيف يقرأ، لكن المجتمع يحتاج أيضًا إلى من يعرّفه بما يمكن أن يقرأه.
وهنا كان يؤدي دورًا ثقافيًا يتجاوز مهنته الأصلية.

شخصيته تجمع الجدية وخفة الروح، لم تكن الثقافة عنده منفصلة عن شخصيته الاجتماعية. فقد وصفه من عرفوه بأنه واسع الاطلاع، ذكي، لماح، وظريف في أسلوبه، وهي صفات ساعدته على الاقتراب من الناس وجعل المعرفة أكثر ألفة وأقل جمودًا. ومن عباراته التي بقيت في ذاكرة تلاميذه تجي جاهز يا يابا. وهي عبارة تكشف جانبًا من أسلوبه التربوي الذي جمع بين هيبة المعلم وروح الدعابة والقرب من الطلاب. وهذه الروح مهمة في العملية التعليمية، فالمعرفة لا تنتشر بالقسر وحده، وإنما تحتاج إلى لغة قريبة وشخصية محببة وقدرة على تحويل التعلم إلى تجربة إنسانية.

الجباري وفكرة المعرفة في متناول اليد إذا نظرنا إلى تجربته من زاوية عصرنا الحالي، فإننا نجد فيها فكرة تبدو حديثة رغم أنها سبقت زمنها بعقود هى الوصول بالمعرفة والثقافة والعلم إلى المستخدم بدل انتظار أن يبحث المستخدم عنهم. اليوم تتحدث المؤسسات التعليمية والثقافية عن إتاحة المعرفة والمكتبات المتنقلة والمنصات الرقمية والمحتوى المفتوح والتعليم خارج المؤسسات التقليدية. أما الجباري فقد مارس جوهر هذه الفكرة بأدوات عصره. لم تكن لديه منصة إلكترونية، فكان هو المنصة. ولم تكن لديه مكتبة رقمية، فكان يحمل الكتب. ولم تكن هناك شبكات اجتماعية لترويج القراءة، فكان يصنع شبكته بين الناس بالكلمة والكتاب والصحيفة.

وهذا لا يعني إسقاط مفاهيم عصرنا على تجربته بصورة مصطنعة وإنما يعني قراءة ما فعله بوصفه نموذجًا مبكرًا لفكرة جوهرية وهى المعرفة تصبح أكثر تأثيرًا عندما تكون قريبة من الناس ومتاحة لهم في حياتهم اليومية.

إرث يتجاوز الوظيفة، تقاعد الأستاذ أبو بكر الجباري عام 1987م، بعد نحو أربعة عقود في ميدان التعليم والتربية، ثم رحل عام 1990م.

لكن التقاعد لم يكن نهاية مشروعه، والرحيل لم يمح أثره. فبعض الناس يتركون وراءهم منصبًا أو وظيفة أو أوراقًا إدارية، بينما يترك آخرون أثرًا يسكن ذاكرة الناس. والجباري ينتمي إلى الصنف الثاني، إذ بقي حاضرًا في ذاكرة تلاميذه وأبناء مجتمعه، وفي المدارس التي خدمها، وفي الكتب والصحف التي حملها ووزعها وفي الحكايات التي ما زالت تتناقلها الذاكرة المحلية.

ومن هنا فإن تكريم والكتابه عن فضل أمثال هؤلاء ليس مجرد استعادة لأسماء من الماضي وإنما هو استعادة لفكرة نحتاج إليها في الحاضر، أن بناء المجتمع لا يتم بالتعليم النظامي وحده، بل بتكوين بيئة كاملة تحترم المعرفة والثقافة وتشجع القراءة وتفتح الطريق أمام الإنسان ليتعلم طوال حياته.

لم يكن الأستاذ أبو بكر مهدي جمعة الشهير بالجباري مجرد معلم أمضى أربعة عقود في المدارس وإنما كان صاحب تصور عملي لدور المعرفة والثقافة في المجتمع. بدأ من الفصل، لكنه لم يحصر التعليم داخله، حمل الكتاب إلى الشارع والصحيفة إلى المواصلات والمعرفة والتقافة إلى الناس في أماكنهم. ولعل أجمل ما تختصر به سيرته أن المعلم الحقيقي لا يكتفي بأن يعلّم الإنسان كيف يقرأ، بل يساعده على أن يجد ما يستحق أن يقرأه.

لقد رحل الجباري عام 1990م، لكن مشروعه الصغير في ظاهره والكبير في دلالته ما زال جديرًا بالتأمل، أن يكون الكتاب قريبًا من الناس وأن تصبح القراءة عادة اجتماعية وأن تتحول المعرفة والثقافة من امتياز محدود إلى حق متاح.

وفي زمن أصبحت فيه المعرفة والثقافة متاحة بضغطة زر، تظل تجربة الجباري تذكيرًا بأن المشكلة لم تكن يومًا في وجود المعرفة وحدها، وإنما في الوصول إليها والرغبة في طلبها والقدرة على جعلها جزءًا من حياة الناس.

رحم الله الأستاذ أبو بكر مهدي جمعة الجباري وجزى عطاءه في التعليم والثقافة خير الجزاء، فقد علّم أجيالًا، وحمل الكتاب إلى أجيال أخرى، وترك في مدينة الجزيرة أبا سيرةً جديرة بأن تُروى وتُوثق للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى