اسبوع الفيفا للبطولات القارية (1) الهجرة والهوية الرياضية تزداد الصورة تعقيداً عندما يتعلق الأمر باللاعبين ذوي الخلفيات المزدوجة

اسبوع الفيفا للبطولات القارية (1)
الهجرة والهوية الرياضية تزداد الصورة تعقيداً عندما يتعلق الأمر باللاعبين ذوي الخلفيات المزدوجة
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com
الاسئلة المتكرر فى هذا المضمار:
اللاعب الافريقى الموهبة وحدها هل تصنع النجوم؟ كيف تصقل أوروبا المواهب ذات الأصول الأفريقية؟ ام ان وجود منظومة استطاعة تحول المقدرة الفردية للمواهب إلى مشروع لاعب مكتمل؟
كلما ظهر لاعب من أصول أفريقية بقميص منتخب أوروبي، ثم تألق في أكبر مسارح كرة القدم العالمية ويتجدد سؤال قديم هل يعود هذا النجاح إلى موهبة استثنائية يمتلكها اللاعب؟ أم إلى البيئة التي احتضنت تلك الموهبة ووفرت لها شروط النمو؟ ربما تكون الإجابة الأكثر إنصافاً أن النجاح لا يصنعه عامل واحد. هناك الموهبة والطموح والانضباط والاستعداد البدني والنفسي، لكن خلف هذه العناصر جميعاً توجد منظومة تستطيع أن تحول المقدرة الفردية إلى مشروع رياضي مكتمل. ولهذا فإن الحضور اللافت للاعبين من أصول أفريقية في عدد من المنتخبات الأوروبية خلال كأس العالم 2026، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد ظاهرة مرتبطة بكرة القدم، لكن بوصفه انعكاساً لفارق أوسع بين بيئات التكوين الرياضي في أوروبا وأجزاء كبيرة من أفريقيا. فاللاعب الذي يولد أو ينشأ في أوروبا ويدخل أكاديمية محترفة في سن مبكرة لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها طفل موهوب في حي أفريقي لا يملك ملعباً مجهزاً أو مدرباً متخصصاً أو برنامجاً مستداماً للناشئين. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية.
الموهبة بداية الطريق وليست نهايته، من السهل أن ننسب التفوق الرياضي إلى صفات جسدية أو وراثية عامة، لكن هذا التفسير لا يكفي لفهم النجاح الحقيقي. فالسرعة والقوة والرشاقة والتحمل لا تتحول تلقائياً إلى مهارة كروية.
والموهبة الطبيعية مهما كانت واضحة، تحتاج إلى سنوات من التدريب المنظم حتى تتحول إلى أداء ثابت في المنافسات الكبرى. كما أن الفروق الفردية بين اللاعبين أكبر بكثير من أن تختصر في انتماء عرقي أو جغرافي. لذلك فإن التفسير الأكثر دقة هو أن بعض اللاعبين يمتلكون استعداداً رياضياً مميزاً، ثم يجدون بيئة تستطيع اكتشافهم وتطويرهم منذ مرحلة مبكرة. وهذه نقطة جوهرية في فهم التجربة الأوروبية.
الأكاديمية ليست ملعباً للتدريب فقط، الأكاديمية الأوروبية الحديثة ليست مجرد مكان يتعلم فيه الطفل مهارات المراوغة والتسديد.
إنها منظومة متكاملة تبدأ باكتشاف الموهبة، ثم تتابع نمو اللاعب بدنياً وفنياً وتكتيكياً ونفسياً. ويجد الناشئ حوله مدربون متخصصون وأطباء وأخصائيو علاج وتأهيل وخبراء تغذية ومحللون للأداء وبرامج للإعداد النفسي، إلى جانب متابعة تعليمية وإدارية. وهذا يعني أن اللاعب لا يُترك للموهبة وحدها.
يتم قياس تطوره ومراقبة أحماله التدريبية وتصحيح أخطائه ودراسة أدائه وتطوير نقاط القوة لديه والتعامل مبكراً مع الإصابات أو المشكلات النفسية. من هنا يمكن فهم أهمية مؤسسات مثل أكاديمية كليرفونتين الفرنسية وغيرها من مراكز تكوين المواهب التي جعلت تطوير الناشئين عملية طويلة الأمد وليست مجرد اكتشاف عابر.
إن أوروبا لا تملك بالضرورة أطفالاً أكثر موهبة، لكنها تمتلك في كثير من الحالات نظاماً أكثر قدرة على تحويل الموهبة إلى لاعب محترف.
الفارق الحقيقي يبدأ من التكوين، المقارنة بين الأكاديميات الأوروبية والأفريقية تحتاج إلى قدر من الإنصاف. فأفريقيا ليست خالية من الأكاديميات الجادة وهناك تجارب ناجحة أنتجت لاعبين كباراً، كما أن عدداً من الأندية والاتحادات الأفريقية يعمل على تطوير قطاع الناشئين. لكن المشكلة تكمن في تفاوت الإمكانات واستمرارية العمل.
في بعض البيئات المحلية، قد يعتمد اكتشاف اللاعب على المصادفة أو على موهبة تظهر في الأحياء والبطولات الشعبية، ثم ينتقل اللاعب سريعاً إلى نادٍ أكبر بحثاً عن فرصة احتراف. أما في المنظومات الأكثر تطوراً، فعملية التكوين تبدأ مبكراً وتستمر لسنوات وتقوم على برنامج واضح لتدرج اللاعب من الفئات العمرية الصغيرة إلى الفريق الأول. فالفارق إذن ليس في وجود الموهبة وإنما في ما يحدث لها بعد اكتشافها. وهنا تكمن إحدى أكبر المعضلات التي تواجه كرة القدم الأفريقية.
عندما تصبح أفريقيا مصدراً للمواهب وأوروبا مركزاً لصقلها، تنتج القارة الأفريقية أعداداً كبيرة من اللاعبين الموهوبين، لكن جزءاً مهماً منهم يجد طريقه في النهاية إلى أوروبا. ولا ينبغي النظر إلى هذه الحركة باعتبارها سلبية في ذاتها، فهي تفتح أمام اللاعب فرصاً احترافية وتنافسية واسعة وتمنحه إمكانية الوصول إلى مستويات تدريبية وتسويقية ومالية متقدمة.
لكنها تطرح سؤالاً اقتصادياً ومؤسسياً مهماً لماذا لا تستطيع أفريقيا الاحتفاظ بجزء أكبر من مراحل القيمة التي تصنعها مواهبها؟ فاللاعب الذي يُكتشف في أفريقيا قد ينتقل في سن مبكرة، ثم يحصل على التكوين المتقدم في أوروبا ويصبح هناك لاعباً عالمياً، بينما تبقى البيئة التي اكتشفته في بداية الطريق محدودة الموارد. وهذا يعني أن القضية ليست فقط قضية انتقال لاعبين، بل قضية بناء صناعة رياضية متكاملة تستطيع أن تستفيد من مواهبها قبل انتقالها وأن تواصل تطويرها محلياً لمن يختار البقاء.
الهجرة والهوية الرياضية، تزداد الصورة تعقيداً عندما يتعلق الأمر باللاعبين ذوي الخلفيات المزدوجة. فكثير من اللاعبين الذين يمثلون منتخبات أوروبية اليوم ولدوا في أوروبا أو نشأوا فيها وتعلموا كرة القدم داخل أكاديمياتها وعاشوا ثقافتها الرياضية منذ طفولتهم.
لذلك فإن اختزالهم في عبارة لاعبين أفارقة يلعبون لأوروبا لا يعكس دائماً واقعهم الشخصي والرياضي. قد يكون اللاعب مرتبطاً بأصل والديه، لكنه في الوقت نفسه نتاج كامل للمجتمع الذي نشأ فيه. وهنا تظهر كرة القدم بوصفها مساحة فريدة تتداخل فيها الجنسية مع الهجرة والأسرة والهوية والانتماء.
قوانين فيفا وسّعت مساحة الاختيار. إلى جانب البيئة الرياضية التى طرأت خلال السنوات الأخيرة، اظهرة تطورات مهمة على لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم المتعلقة بأهلية اللاعبين وتغيير الاتحادات التي يمثلونها. وقد أصبحت القواعد أكثر وضوحاً في التعامل مع اللاعبين الذين يحملون أكثر من جنسية أو تربطهم صلات بأكثر من بلد، مع السماح في حالات محددة بتغيير الاتحاد الذي يمثلونه وفق شروط وضوابط قانونية.
لكن من المهم عدم فهم هذه القواعد باعتبارها حرية مطلقة للاعب في اختيار أي منتخب.
فالأهلية تخضع لمعايير تتعلق بالجنسية والميلاد والنسب والإقامة، كما توجد قيود مرتبطة بالمشاركات الرسمية السابقة وتُدرس طلبات تغيير الاتحاد وفق اللوائح المعمول بها.
ومع ذلك، فإن هذه المرونة القانونية أعادت تشكيل مساحة الاختيار أمام جيل جديد من اللاعبين الذين يعيشون بين أكثر من ثقافة وأكثر من رابطة وطنية. وهنا يصبح المنتخب بالنسبة إلى بعضهم أكثر من مجرد مكان الميلاد، إنه اختيار يرتبط أيضاً بالتكوين والفرصة والشعور بالانتماء.
علم النفس الرياضي البيئة التي تصنع الثقة، هناك جانب لا يظهر كثيراً في الحديث عن تكوين اللاعبين الجانب النفسي. فاللاعب الصغير يحتاج إلى أكثر من ملعب ومدرب.
يحتاج إلى بيئة تجعله قادراً على التعامل مع الفشل والمنافسة والضغط والتوقعات.
المنظومات الرياضية المتقدمة تتعامل مع اللاعب باعتباره إنساناً قبل أن يكون مشروع نجم. ولذلك أصبح الإعداد النفسي جزءاً من التكوين الحديث، إلى جانب التعليم والحياة الاجتماعية. وهذا أمر بالغ الأهمية خصوصاً للاعبين القادمين من خلفيات مهاجرة. فالقدرة على التوفيق بين جذور الأسرة وثقافة المجتمع الجديد يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً في تكوين الشخصية الرياضية. وعندما يشعر اللاعب بأنه مقبول داخل المؤسسة ويعرف ما المطلوب منه ويحصل على الدعم في لحظات التراجع، يصبح أكثر قدرة على الاستمرار.
ماذا تحتاج كرة القدم الأفريقية؟ ربما لا تحتاج أفريقيا إلى البحث عن مواهب جديدة بقدر حاجتها إلى إعادة بناء الطريق الذي تسلكه المواهب الموجودة بالفعل. البداية تكون من المدرسة والحي والنادي، ثم الأكاديمية والمنتخب، مروراً بالتدريب والطب الرياضي والتغذية والتحليل الرقمي والتأهيل النفسي.
كما تحتاج الأندية إلى إدارة أكثر احترافاً واستثمارات طويلة الأجل في قطاعات الناشئين ومسابقات منتظمة للفئات العمرية ومدربين يحصلون على تأهيل مستمر.
والأهم من ذلك كله هو الانتقال من التعامل مع اللاعب باعتباره سلعة قابلة للبيع إلى اعتباره جزءاً من منظومة رياضية واقتصادية واجتماعية متكاملة. فالاستثمار الحقيقي لا يبدأ عندما يصبح اللاعب نجماً، لكن قبل ذلك بسنوات.
الدرس الذي تقدمه التجربة الأوروبية لا يقول إن الموهبة الأفريقية أفضل أو أسوأ من غيرها. كما أنه لا يعني أن أوروبا تصنع اللاعبين من العدم.
الحقيقة أبسط وأعمق في الوقت نفسه الموهبة تحتاج إلى بيئة مناسبة حتى تبلغ أقصى إمكاناتها. وقد أثبتت التجربة أن اللاعب الذي يحصل على تدريب علمي ورعاية صحية وتغذية مناسبة ومنافسة منتظمة وإعداد نفسي وتحليل فني وإدارة محترفة، تكون أمامه فرص أكبر للوصول إلى المستوى العالمي. وهذا ما يجعل الفارق بين بعض البيئات الرياضية الأوروبية والأفريقية فارقاً في النظام قبل أن يكون فارقاً في اللاعب.
اكتشاف ظاهرة اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية في المنتخبات الأوروبية حقيقة تستحق التأمل الموهبة موجودة، لكن الفرصة ليست موزعة بالتساوي. قد يولد طفل موهوب في قرية أو حي أفريقي ويملك من الشغف والقدرة ما يؤهله لأن يصبح لاعباً كبيراً، لكنه يحتاج إلى مؤسسة ترعى موهبته ومدرب يعرف كيف يطورها ومرافق تساعده ونظام يحمي مستقبله.
وفي المقابل، قد يحصل طفل آخر على البيئة نفسها داخل أكاديمية أوروبية، فتتحول قدرته خلال سنوات إلى مهارة احترافية تنافس في أعلى المستويات.
أما قوانين فيفا الجديدة والمحدثة فقد منحت أصحاب الجنسيات والروابط المتعددة مساحة قانونية أوسع لاتخاذ خياراتهم الرياضية، لكنها لا تغير الحقيقة الأساسية القميص الذي يرتديه اللاعب قد يتغير، أما رحلة تكوينه فهي التي تحدد في النهاية قدرته على حمله.
ولذلك فإن القضية التي ينبغي أن تشغل كرة القدم الأفريقية ليست كم لاعباً أفريقياً يلعب في أوروبا وإنما كم لاعب يمكن أن تصنعه أفريقيا داخل مؤسساتها وكم أكاديمية تستطيع أن تبني وكم مدرباً يمكن أن تؤهل وكم موهبة تستطيع أن تمنحها الطريق الكامل من الحي إلى القمة.
فحين تنجح أفريقيا في بناء منظومتها، لن يكون احتراف لاعبيها في أوروبا دليلاً على غياب البيئة المحلية، بل يمكن أن يصبح امتداداً طبيعياً لصناعة كروية أفريقية أكثر قوة واستقلالاً ونضجاً.




