جبل مرة من جغرافيا السلام إلى ساحة للحرب

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com
في قلب دارفور يقف جبل مرة شاهداً على مفارقة سودانية مؤلمة أرض وهبتها الطبيعة الماء والخصوبة والجمال، بينما عجزت السياسة عن أن تمنح أهلها السلام والاستقرار.
لم يكن الجبل عبر تاريخه مجرد مرتفع جغرافي أو معلم طبيعي، فقد ارتبط بحياة الناس واقتصادهم وذاكرتهم وكان جزءاً من المجال الذي نشأت فيه سلطنة الفور وتطورت حوله أنماط من الزراعة والتبادل الاجتماعي. لكن الحروب المتعاقبة، ثم الصراع السوداني الراهن منذ 15 أبريل 2023، جعلت هذه المنطقة واحدة من أكثر الجغرافيا تعبيراً عن المأساة التي يعيشها السودان.
ومن هنا يصبح جبل مرة أكثر من قصة مكان، إنه مرآة يمكن من خلالها قراءة السؤال السوداني الأكبر كيف تحولت أرض قادرة على صناعة الحياة إلى مساحة تتنازعها الحرب؟
من نعمة الطبيعة إلى اختبار الدولة، يمتلك جبل مرة خصائص طبيعية نادرة في السودان. فمرتفعاته البركانية ومصادر مياهه وأمطاره وتربته وغطاؤه النباتي، جعلت منه بيئة مختلفة عن كثير من المناطق المحيطة به. وفي دريبا، حيث القمم البركانية والبحيرات، تتجلى طبيعة استثنائية تختزن إمكانات زراعية وسياحية وبيئية كبيرة. لكن قيمة المكان لا تقاس بجماله وحده. فالماء الذي يهب الحياة يمكن أن يصبح مصدراً للتنافس عندما تغيب القواعد العادلة لإدارة الموارد والأرض التي تجمع الناس يمكن أن تتحول إلى سبب للنزاع عندما تضعف المؤسسات القادرة على تنظيم الحقوق. وهنا تكمن إحدى مشكلات السودان المزمنة وفرة الموارد لم تكن دائماً مصحوبة بوفرة المؤسسات.
التعايش الذي أضعفته السياسة، عرفت دارفور مثل مناطق سودانية أخرى، علاقات متشابكة بين المجتمعات الزراعية والرعوية وبين مجموعات سكانية وقبلية متعددة. ولم تكن تلك العلاقات خالية من الخلافات، لكن الأعراف المحلية ووسائل الصلح والمصالحات وفرت في مراحل مختلفة أدوات لمعالجة النزاعات والحفاظ على قدر من التوازن الاجتماعي.
غير أن تراجع مؤسسات الدولة وتداخل الصراع على الموارد مع الاستقطاب السياسي والعسكري، جعلا الخلافات المحلية أكثر قابلية للتحول إلى مواجهات أوسع.
ولذلك فإن اختزال أزمة دارفور في بعدها القبلي وحده يبتعد عن جوهر المشكلة. فالنزاع لا ينشأ من التنوع ذاته. وإنما تتفاقم مخاطره عندما يعجز النظام السياسي عن إدارة التنوع بعدالة وعندما تصبح القوة المسلحة وسيلة للتعبير عن المطالب والمصالح.
جبل مرة والحرب الحالية، منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم تعد دارفور مجرد مسرح لأزمة إقليمية داخل السودان، بل أصبحت إحدى أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع الوطني.
وفي محيط جبل مرة، كما في مناطق أخرى من دارفور وجد المدنيون أنفسهم بين النزوح والخوف وفقدان مصادر الرزق وتعطل الخدمات. وتحولت مناطق كان يمكن أن تكون ملاذاً للسكان الفارين من القتال إلى نقاط ضغط جديدة على المجتمعات المحلية التي تعاني أصلاً من محدودية الموارد.
وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى كلما اتسعت الحرب بحث الناس عن مكان آمن وكلما كثرت موجات النزوح أصبح المكان الآمن نفسه أكثر هشاشة. وهذه ليست مشكلة جبل مرة وحده وإنما صورة مصغرة لأزمة السودان كله، فالحرب لا تكتفي بتدمير المباني، بل تعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وتضعف الثقة بين المكونات وتترك وراءها مجتمعاً أكثر فقراً وخوفاً وأقل قدرة على استعادة حياته الطبيعية.
طرفا النزاع ومسؤولية تتجاوز الميدان، الجيش والدعم السريع يخوضان حرباً على النفوذ والسيطرة، لكن استمرارها جعل ثمن الصراع يتجاوز الطرفين إلى المجتمع بأكمله. ولهذا فإن الحديث عن مستقبل جبل مرة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قضية عسكرية تتعلق بمن يسيطر على هذه المنطقة أو تلك، بل قضية وطنية ترتبط بمستقبل الدولة السودانية نفسها.
فإذا ظل منطق الحرب قائماً على توسيع مناطق النفوذ، فإن كل منطقة جديدة تدخل دائرة القتال ستنتج مزيداً من النازحين ومزيداً من الفقر ومزيداً من الأعباء التي ستدفع الدولة والمجتمع ثمنها حتى بعد توقف المعارك.
أما إذا أصبح الهدف هو إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة، فإن جبل مرة يمكن أن يستعيد وظيفته الطبيعية باعتباره موطناً للسكان ومجالاً للإنتاج والتبادل والتنمية.
السلام لا يبدأ من الخرطوم وحدها، أحد الدروس المهمة التي يقدمها جبل مرة هو أن السلام السوداني لا يمكن أن يكون اتفاقاً بين النخب المسلحة والسياسية فقط. هناك سلام يجب أن يُبنى على الأرض بين المزارع والراعي وبين النازح والمجتمع المضيف وبين المجتمعات المحلية وفي الأسواق ومصادر المياه ومسارات الرعي ومناطق العودة. وهذا يتطلب مؤسسات قادرة على إدارة الأرض والموارد وقضاءً يحمي الحقوق وإدارة محلية فاعلة وأجهزة أمنية مهنية وتنمية تخلق مصالح مشتركة تتجاوز الاستقطاب. كما يتطلب معالجة آثار الحرب دون تحويل العدالة إلى أداة للانتقام ودون السماح للإفلات من العقاب بأن يصبح قاعدة دائمة.
من جبل الحرب إلى جبل الحياة، قد يكون من المبكر الحديث عن تحويل جبل مرة إلى مركز للسياحة أو الاستثمار أو التنمية، ما دامت الحرب مستمرة في أجزاء واسعة من البلاد. لكن التفكير في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يبدأ منذ الآن. فالجبل يمتلك مقومات يمكن أن تجعل منه نموذجاً للتعافي الزراعة والمياه والثروة الحيوانية والمنتجات المحلية والطبيعة والسياحة البيئية، إلى جانب التراث الثقافي والاجتماعي. غير أن كل ذلك يحتاج أولاً إلى شرط أساسي الأمن وسيادة القانون. فلا يمكن أن تقوم تنمية في منطقة تحمل السلاح أكثر مما تحمل المؤسسات ولا يمكن أن تستقر المجتمعات ما لم تشعر بأن حقوقها مصونة بالقانون لا بموازين القوة.
جبل مرة ليس مجرد جبل في خارطة دارفور؛ إنه اختصار لقصة السودان نفسه. فيه الماء وسط بيئة شحيحة والخصوبة وسط ظروف قاسية والتنوع إلى جانب محاولات التعايش، كما توجد اليوم آثار حرب تكشف هشاشة الدولة عندما تتراجع المؤسسات ويتقدم السلاح.
ولهذا فإن إنقاذ جبل مرة لا يعني فقط حماية موقع طبيعي أو مساعدة سكان منطقة بعينها، وإنما يعني استعادة فكرة أوسع أن تكون الأرض مجالاً للحياة لا ميداناً للصراع.
لقد أثبتت الحرب أن السيطرة على الجغرافيا لا تعني امتلاك المستقبل. فالمستقبل لا تصنعه البنادق وإنما تصنعه المؤسسات القادرة على حماية المواطن وإدارة التنوع وتنظيم الموارد وإقامة العدل. ومن جبل مرة يمكن للسودان أن يستخلص درساً بسيطاً وعميقاً، حين تعجز الدولة عن إدارة اختلافاتها بالحوار والقانون، تتكفل الحرب بإدارة البلاد بمنطق القوة وعندما تستعيد الدولة مؤسساتها، يمكن للجبل أن يعود إلى وظيفته الأولى أن يكون موطناً للحياة لا شاهداً على الحرب.




