استراحة الجمعة: في الذكرى الخامسة عشرة لرحيل العندليب الأسمر زيدان إبراهيم عندما كان الفن يجمع ما تفرقه السياسة صوتٌة كان أوسع من الانقسام

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com
في الرابع والعشرين من سبتمبر من كل عام، لا تستعيد الذاكرة السودانية رحيل فنان فحسب وإنما تستعيد زمناً كانت فيه الأغنية مساحةً للالتقاء وكان الصوت الجميل قادراً على أن يعبر المدن والأقاليم والطبقات والأجيال من غير أن يسأل المستمع أولاً من أي جهة أتيت؟ وإلى أي فريق تنتمي؟
عندما رحل زيدان إبراهيم في القاهرة يوم 24 سبتمبر 2011، فقد السودان واحداً من الأصوات التي تركت بصمتها العميقة في مسيرة الأغنية الحديثة. واليوم، في الذكرى الخامسة عشرة لرحيله، تبدو استعادة تجربته أكثر من مجرد وفاء لفنان راحل، إنها مناسبة للتأمل في معنى الفن حين يكون جسراً اجتماعياً وفي معنى الثقافة حين تنجح في جمع الناس حول ما هو إنساني وجميل، بدلاً من تحويل الاختلاف إلى خصومة والانتماء إلى اصطفاف.
تختلف بعض المصادر في تفاصيل ميلاده واسمه وسنوات نشأته، لكن الثابت في الذاكرة الفنية السودانية أنه عُرف باسم زيدان إبراهيم وارتبط اسمه بلقب العندليب الأسمر وأنه رحل في القاهرة في 24 سبتمبر 2011 بعد مسيرة غنائية امتدت لعقود. ولعل أجمل ما في سيرة زيدان أن صوته لم يكن منفصلاً عن شخصيته، فقد حملت أغنياته مزيجاً من الرومانسية والشجن والرقة وجعلت من الأداء الفني لغةً للتعبير عن الإنسان قبل أن يكون استعراضاً للقدرة الصوتية.
من حى العباسية إلى فضاء الأغنية، تروي السيرة المتداولة أن الاسم الذي سُجل به عند الميلاد كان محمد إبراهيم زيدان، قبل أن يستقر اسم زيدان الذي عرفه به الجمهور. وتعددت الروايات المنشورة حول مكان ميلاده وبعض تفاصيل نشأته، وهو ما يجعل التوثيق الدقيق لسيرته أمراً يحتاج إلى العودة إلى سجلات ومصادر أولية، لا إلى الروايات المتناقلة وحدها.
لكن الأهم فنياً أن بداياته تشكلت في بيئة أم درمانية غنية بالثقافة والموسيقى، ثم تفتحت موهبته في المدارس، قبل أن يتجه بصورة أكثر جدية إلى الموسيقى والغناء. وتذكر مصادر عن تجربته أنه تعلم العود على يد الموسيقار صالح عركي في مطلع الستينيات، كما ارتبط اسمه بعدد من الشعراء والملحنين الذين أسهموا في بناء شخصيته الفنية. وهنا تظهر قيمة التجربة زيدان لم يصنع مجده بالصوت وحده وإنما داخل منظومة إبداعية متكاملة قوامها الشاعر والملحن والمغني. وقد عبّر زيدان نفسه عن هذه الفكرة في حوار صحفي، حين أكد أن هذا الثلاثي هو المسؤول عن ميلاد الأغنية، وأن التجانس بين أطرافه ينعكس على جودة العمل الفني. كما تحدث عن علاقته بعمر الشاعر بوصفها علاقة حميمة ومتكاملة.
زيدان وهلاوي حين تصبح الكلمة ذاكرة، من الصعب الحديث عن زيدان إبراهيم من دون الوقوف عند الشاعر عبد الوهاب هلاوي.
فالكلمة عند هلاوي لم تكن مجرد مادة يضع عليها الملحن نغماته وإنما كانت جزءاً من البناء العاطفي للأغنية. وعندما التقت هذه الكلمات بصوته، نشأ نوع من التفاعل الذي جعل الأغنية قادرة على البقاء بعد غياب أصحابها.
وانه لم يكن مجرد مؤدٍّ لنصوص الشعراء، كان يعيد تشكيل النص بصوته، يمنحه مساحات من الإحساس ويضع بين الجملة الشعرية والأذن المستمعة جسراً من التطريب. وهذه واحدة من أسرار التجربة السودانية، أن الأغنية الناجحة لا تُنسب إلى صوت المغني وحده، بل إلى شراكة إبداعية بين النص واللحن والأداء.
ولذلك فإن استحضار هلاوي في هذه الذكرى ليس استدعاءً لشاعر كتب لفنان راحل فحسب، وإنما استعادة لمرحلة كان فيها التعاون الفني قائماً على التراكم والتجربة والثقة، لا على الاستهلاك السريع الذي يفرضه سوق اللحظة.
عمر الشاعر النغم الذي وجد صوته، أما عمر الشاعر فقد كان واحداً من أبرز الذين التقت ألحانهم بصوته في انسجام واضح. ومن الأعمال التي ارتبطت بهذه الشراكة أغنيات مثل في الليلة ديك وغيرها من الأعمال التي ساعدت في ترسيخ حضوره في خارطة الغناء السوداني. وتشير مصادر توثيقية إلى أن عمر الشاعر لحن عدداً من الأعمال التي غناها زيدان، كما ارتبط الاثنان بعلاقة فنية وشخصية وثيقة.
وهنا تكمن أهمية عمر الشاعر في تجربته اللحن، لم يكن إطاراً خارجياً للصوت وإنما كان مساحة يتحرك داخلها الأداء بحرية.
كان زيدان يمتلك خامة صوتية ذات حضور واضح، لكن الخامة وحدها لا تصنع فناً خالداً. الذي يصنع الاستمرار هو القدرة على اختيار النص المناسب واللحن الذي يكشف إمكانات الصوت والأداء الذي يحول الكلمات إلى تجربة شعورية. ولهذا بقيت أعمال مثل قصر الشوق و في الليلة ديك ودنيا المحبة وغرام الروح وغيرها حاضرة في الذاكرة السودانية، مع اختلاف الأجيال والأذواق. وقد تناولت كتابات نقدية العلاقة بين صوته وألحان عمر الشاعر بوصفها إحدى العلامات المهمة في تجربته.
زيدان الفنان قبل النجومية، لكن ربما تكون أهم جوانب سيرته تلك التي لا تظهر في قائمة الأغنيات. لقد تحدثت شهادات من الوسط الفني عن شخصية اجتماعية محبة للفنانين وعن اهتمامه بمساعدة أصحاب المواهب وتشجيع الأصوات الجديدة. وهذه الصورة تضعنا أمام مفهوم أوسع للنجومية، الفنان لا يُقاس فقط بما يتركه في المكتبة الموسيقية وإنما بما يتركه في نفوس زملائه ومن عرفوه.
الفن الحقيقي لا يكتفي بأن يقول انظروا إليّ، بل يقول أيضاً تعالوا معنا. وهذا ما جعل تجربته جزءاً من ذاكرة الوسط الفني، لا من ذاكرة المستمعين فقط. لقد عاش في بيئة فنية كانت فيها الصالونات والبيوت والأحياء أماكن لاكتشاف المواهب وتبادل المعرفة وكان الفنان يستطيع أن يتعلم من زميله وأن يمنح من جاء بعده شيئاً من تجربته. تلك الروح هي التي تجعل رحيل الفنان أكبر من فقدان صوت، لأن المجتمع يفقد معه جزءاً من ذاكرته الاجتماعية.
من قصر الشوق إلى قصر الذاكرة، الأغنية السودانية لا تعيش بالحنين وحده. حين تعود أغنياته اليوم، فإنها لا تعيدنا فقط إلى سنوات مضت، بل تذكرنا بمرحلة كان فيها الاختلاف الفني دليلاً على التنوع، لا سبباً للقطيعة.
كان الشاعر يأتي من خلفية، والملحن من بيئة أخرى والمغني يحمل تجربته الخاصة، ثم تلتقي العناصر الثلاثة في عمل واحد. وهذه الفكرة تبدو شديدة الأهمية في السودان اليوم.
فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تعرض المجتمع السوداني لانقسامات حادة وتضررت الحياة الثقافية والفنية بشدة وتعرض الفنانون للنزوح وتوقفت أو تضررت مؤسسات ومساحات ثقافية عديدة. وتؤكد اليونسكو أن الحرب أثرت بصورة مباشرة في الفنانين والمهنيين الثقافيين وأن حماية الحياة الثقافية أصبحت جزءاً من حماية هوية المجتمع نفسه.
وفي مارس 2026، نقلت تقارير عن تجمع نحو 120 فناناً سودانياً نازحاً في مركز ثقافي بمدينة بورتسودان، حيث واصل موسيقيون وممثلون وكتاب وفنانون أعمالهم رغم ظروف الحرب والنزوح. وهذه الصورة تقول شيئاً مهماً الثقافة لا تختفي بالضرورة حين تنهار الظروف وإنما تبحث عن مكان جديد كي تستمر. من اختلاف الأذواق إلى اصطفاف الحرب، هنا يصبح استحضار زيدان أكثر ارتباطاً بحاضرنا.
ليس المطلوب أن ننسب إليه موقفاً سياسياً لم يثبت عنه ولا أن نحول الفنان الراحل إلى شاهد على معارك لم يعشها. لكن تجربته الفنية تسمح لنا بطرح سؤال معاصر ماذا يحدث للمجتمع حين يتحول كل اختلاف إلى اصطفاف؟ في زمنه، كان بإمكان الفنان أن يتعامل مع شعراء وملحنين متعددين وأن يلتقي الناس حول أغنية واحدة، حتى إذا اختلفوا في السياسة أو الحياة أو المواقف.
أما اليوم، فقد أصبح خطر الاصطفاف يتجاوز السياسة إلى الثقافة والمجتمع، إذ يمكن أن يصبح الفنان أو الكاتب أو المثقف، أحياناً، جزءاً من خطاب طرف من أطراف الحرب، فتتحول المنصة الثقافية من مجال للتعبير والتنوع إلى مساحة لإعادة إنتاج الاستقطاب.
وهنا ينبغي التفريق بين حق الفنان في التعبير عن موقفه وهو حق أصيل وبين تحويل الثقافة كلها إلى امتداد للمواجهة المسلحة.
فالفنان مواطن من حقه أن يتخذ موقفاً، لكن الثقافة الوطنية أوسع من موقف أي فرد أو جماعة. إن السودان الذي عرف زيدان وهلاوي وعمر الشاعر كان يستطيع أن يجمع بين أصوات مختلفة في عمل واحد. أما السودان الذي مزقته الحرب، فهو في حاجة إلى استعادة هذه القدرة على الاجتماع حول المشترك.
الأغنية كمساحة للقاء، ربما لهذا السبب تبدو أغنياته اليوم أكثر من مجرد أرشيف موسيقي. إنها تذكير بأن السودان كان ولا يزال، قادراً على إنتاج مساحة مشتركة رغم تنوعه.
فالموسيقى لا تسأل المستمع عن قبيلته قبل أن تمنحه اللحن ولا تطلب منه بطاقة انتماء قبل أن تسمح له بالشعور. وهذا لا يعني أن الفن محايد دائماً أو منفصل عن السياسة، فالدراسات الحديثة عن الموسيقى السودانية تشير إلى أن الموسيقى ارتبطت تاريخياً بالحراك السياسي والاجتماعي وبناء الهوية والتعبير الجماعي.
لكن الفرق كبير بين أن يكون الفن مساحة للتعبير عن المجتمع وبين أن يتحول إلى أداة لإلغاء المجتمع المختلف. وهنا يمكن أن تكون تجربته درساً في شيء أبعد من الغناء وهو الاختلاف يمكن أن ينتج جمالاً إذا وجد إطاراً يتسع له.
عندما يبقى الفنان في الوجدان، في الذكرى الخامسة عشرة لرحيله، لا نحتاج إلى أن نضع تمثالاً جديداً للعندليب الأسمر في الذاكرة، فهو موجود فيها بالفعل. ما نحتاج إليه هو أن نفهم لماذا بقي صوته. بقي لأنه لم يكن صوتاً منفرداً، خلفه شعر هلاوي وغيره وألحان عمر الشاعر وغيره وتجارب موسيقية متعددة وجمهور وجد في الأغنية شيئاً من نفسه. وبقي لأن الفن، في لحظاته الكبرى، لا يقسم الناس إلى معسكرات، وإنما يمنحهم مساحة للالتقاء.
وفي سودان الحرب، ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن نستعيدها من زمن زيدان وهو ليس المطلوب أن نتشابه حتى نعيش معاً وإنما أن نمتلك من المؤسسات والثقافة والوعي ما يجعل اختلافنا قابلاً للحياة.
رحل زيدان إبراهيم جسداً، لكن صوته ما زال يفتح نافذة على سودان آخر، سودان كانت فيه الكلمة واللحن والصوت قادرة على صناعة الجسر. وربما يكون السودان اليوم في أشد الحاجة إلى ذلك الجسر. لا إلى صوت واحد يعلو على الجميع وإنما إلى أصوات متعددة تتسع لبعضها وتلتقي في وطن واحد.




