الكنابي بين خطاب التعايش وواقع الحقوق: من يطمس الحقيقة ومن يحمي الإنسان؟

الكنابي بين خطاب التعايش وواقع الحقوق: من يطمس الحقيقة ومن يحمي الإنسان؟
جعفر محمدين عابدين
gafertamok@gmail.com
بتاريخ الاثنين 21 سمبتبر 2026م
السيد والي ولاية الجزيرة،
تحدثتم عن أن مجتمعات الكنابي تمثل رمزاً للتعايش السلمي، وأن أهلها شركاء أصيلون في الإنتاج في مشروع الجزيرة وفي مختلف مشروعات التنمية في السودان، وأن وعي إنسان الكنابي أسهم في إفشال محاولات الفتنة وإثارة النعرات القبلية واستهداف مؤسسات الدولة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين انعكس هذا الاعتراف على واقع الكنابي وحقوق إنسانها؟
أين كانت مؤسسات الدولة عندما وقعت، وفق شهادات وتقارير وادعاءات متداولة، انتهاكات جسيمة بحق سكان الكنابي؟ وأين كانت الحماية عندما تعرضت مجتمعات الكنابي، بحسب ما يتم تداوله، لأعمال قتل وتهجير وحرق وتدمير؟ وما الذي قامت به الدولة تجاه ما يُقال عن إحراق أكثر من 160 كمبو، وسقوط ضحايا، والعثور على جثامين في مجاري المياه وقنوات الري داخل مشروع الجزيرة؟
هذه ادعاءات ووقائع بالغة الخطورة لا يجوز تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد مادة للخطاب السياسي. وإذا ثبتت بالأدلة، فإنها تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
فإذا كان إنسان الكنابي شريكاً أصيلاً في المجتمع والإنتاج والتنمية، فأين الخدمات الأساسية التي تحفظ له كرامته وحقه في الحياة؟
أين السكن الملائم؟
أين المياه والكهرباء؟
أين المدارس والمراكز الصحية؟
أين الأمن والحماية؟
وأين الإنصاف للمواطنين الذين تعرضوا، وفق شهادات وادعاءات متداولة، للقتل أو الاعتقال أو الاختفاء أو غير ذلك من الانتهاكات؟
كيف يمكن الحديث عن التعايش السلمي بينما تتداول شهادات وتقارير بشأن قتل مواطنين من الكنابي واعتقال آخرين، والعثور على جثامين في الترع وقنوات الري والكنارات؟
إن هذه الادعاءات، متى ثبتت بالأدلة، تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، وإعلان نتائجه للرأي العام، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كانت صفته أو رتبته أو الجهة التي ينتمي إليها.
إن حماية النسيج الاجتماعي لا تتحقق بتوجيه الاتهامات إلى طرف واحد، ولا بتجاهل معاناة الضحايا، وإنما بالتحقيق في جميع الانتهاكات التي ارتكبتها مختلف القوات والمجموعات المسلحة، وضمان حقوق الضحايا وذويهم، ومنع الإفلات من العقاب.
أهل الكنابي لا يريدون خطابات تكريم أو عبارات تجميلية فقط؛ إنهم يريدون حقوقاً وخدمات أساسية وأمناً وحمايةً وضمانات قانونية حقيقية.
فالكنابي ليست ورقة سياسية تُرفع عند الحاجة للحديث عن التعايش، وليست خزاناً بشرياً للإنتاج ثم تُنسى حقوق سكانها بعد انتهاء الحاجة إليهم.
مطالب واضحة
نطالب بوضوح بما يلي:
- حماية المدنيين في مجتمعات الكنابي دون تمييز، وضمان أمنهم وسلامتهم.
- إجراء تحقيق مستقل وشفاف في جميع الادعاءات المتعلقة بالقتل والاختفاء والاعتقال والتعذيب وغيرها من الانتهاكات.
- الكشف عن مصير المفقودين، والعمل على تحديد أماكن وجودهم، وتسليم جثامين الضحايا إلى ذويهم وفق الإجراءات القانونية والإنسانية.
- إطلاق سراح كل من احتُجز دون أساس قانوني، أو تقديمه إلى محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية.
- توفير الخدمات الأساسية لمجتمعات الكنابي باعتبار سكانها مواطنين كاملي الحقوق.
- محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، أياً كانت رتبته أو صفته أو انتماؤه السياسي أو العسكري.
- إعلان نتائج التحقيقات واللجان التي شُكلت بشأن الانتهاكات للرأي العام، وعدم إبقاء ملفات الضحايا معلقة دون مساءلة أو نتيجة.
إن تحويل الكنابي إلى قرى نموذجية ليس منحة ولا فضلاً من أحد؛ بل هو جزء من حق المواطنين في التنمية والخدمات والمواطنة المتساوية.
فالتعايش الحقيقي لا يُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما بحماية الإنسان، وصون كرامته، وتوفير الخدمات، وضمان الأمن، وسيادة القانون، ومنع تكرار الانتهاكات.
ومن يريد أن يجعل الكنابي رمزاً للتعايش، فعليه أن يجعل حقوق إنسان الكنابي واقعاً ملموساً، لا مجرد تصريحات سياسية وإعلامية.
رسالة إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان
أين نتائج لجنة تقصي الحقائق التي شُكلت بشأن أحداث ومجازر كمبو طيبة؟ وما الذي تم بشأن نتائجها وتوصياتها؟
لقد أُعلن أن مدة عمل اللجنة كانت أسبوعين، بينما مضى أكثر من عامين دون أن تُعلن نتائجها للرأي العام، بحسب ما هو متداول.
فإذا كانت اللجنة قد أكملت أعمالها، فلماذا لم تُعلن نتائجها؟ وإذا لم تكمل أعمالها، فما أسباب هذا التأخير؟
إن تشكيل لجان تقصي الحقائق لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف؛ فالغاية منها هي الوصول إلى الحقيقة، وإعلان النتائج، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا وذويهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
رسالة إلى الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية
أهل الكنابي يحتاجون إلى السكن والخدمات الأساسية والحماية والحقوق، وليس إلى تحويل قضيتهم إلى مادة للاستهلاك السياسي والإعلامي.
قضية الكنابي قضية حقوق ومواطنة، وليست سلعة سياسية.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام الجميع هو:
متى تتحول الاعترافات السياسية بحقوق إنسان الكنابي إلى إجراءات حقيقية تحمي الإنسان، وتصون كرامته، وتضمن له الأمن والخدمات والتنمية والمساواة أمام القانون؟
خاتمة: من الخطاب إلى الفعل
في نهاية المطاف، فإن قضية الكنابي ليست قضية خدمات متأخرة فحسب، ولا مجرد خطاب سياسي عابر؛ إنها قضية مواطنة وحقوق وكرامة إنسان.
إذا كانت الدولة تعتبر أهل الكنابي شركاء أصيلين في الإنتاج والتنمية وبناء المجتمع السوداني، فعليها أن تتعامل معهم على هذا الأساس في الحقوق أيضاً. فالمواطنة لا يمكن أن تعني أن يكون الإنسان مطلوباً للإنتاج والعمل عندما تحتاج إليه الدولة والمجتمع، ثم تُهمل حقوقه عندما يتعلق الأمر بالأمن والخدمات والحماية.
إن ما يُثار من شهادات وادعاءات بشأن القتل والتهجير والحرق والاعتقال والاختفاء والعثور على جثامين في مناطق مختلفة من مشروع الجزيرة لا ينبغي أن يبقى في دائرة الروايات المتداولة. وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإن المسؤولية تقتضي كشف الحقيقة، وتحديد المسؤولين، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، أياً كانت رتبته أو صفته أو انتماؤه السياسي أو العسكري.
كما أن استمرار غياب نتائج اللجان التي شُكلت للتحقيق في بعض الأحداث يفرض أسئلة مشروعة على مؤسسات الدولة: أين النتائج؟ ماذا تم بشأن التوصيات؟ ولماذا لم تُعلن للرأي العام والضحايا وذويهم؟
أهل الكنابي لا يطالبون بامتيازات خاصة، ولا يريدون حماية انتقائية، وإنما يطالبون بحقوق المواطنة التي ينبغي أن يتمتع بها كل سوداني: الأمن، والخدمات الأساسية، وحرية الإنسان، وسيادة القانون، والحماية من الانتهاكات، والمساءلة عند وقوعها.
فالكنابي ليست خزاناً بشرياً للإنتاج، وليست ورقة سياسية تُستخدم عند الحاجة، وليست مجتمعاً يُستدعى للحديث عن التعايش ثم تُترك مطالبه جانباً. أهل الكنابي مواطنون كاملو الحقوق، وحقوقهم ليست منحة من مسؤول، ولا صدقة من حكومة، ولا مكافأة على الولاء.
ومن هنا، فإن الرسالة إلى مؤسسات الدولة واضحة:
إذا كنتم تريدون أن تكون الكنابي رمزاً للتعايش، فاحموا إنسانها. وإذا كنتم تتحدثون عن المواطنة، فترجموا ذلك إلى مساواة فعلية في الحقوق والخدمات. وإذا شُكلت لجان للتحقيق، فأعلنوا نتائجها. وإذا ثبتت الانتهاكات، فحاسبوا المسؤولين عنها.
إن المطلوب اليوم ليس مزيداً من التصريحات، وإنما انتقال واضح من الخطاب إلى الفعل، ومن الاعتراف النظري إلى الحقوق الملموسة.
فالكنابي لا تطلب من أحد أن يمنحها مكاناً في السودان؛ فهي جزء أصيل منه. ولا تطلب أن تكون فوق القانون أو خارج الدولة؛ بل تطالب بأن تكون تحت حماية القانون، ومتساوية في الحقوق، ومشمولة بالتنمية والخدمات والحماية مثلها مثل بقية المجتمعات السودانية.
والقضية اليوم ليست: هل الكنابي جزء من السودان؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
القضية الحقيقية هي: هل ستكون المواطنة في السودان حقاً متساوياً للجميع، أم سيظل بعض المواطنين شركاء في الإنتاج عندما تكون هناك حاجة إلى عملهم، ومواطنين عند الحاجة إلى خطاب سياسي، ثم منسيين عندما يحين وقت الحقوق؟
هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه أفعال الدولة، لا بياناتها.
والتاريخ لا يحاسب الدول على ما قالته عن التعايش، وإنما على ما فعلته لحماية الإنسان عندما كان الإنسان في حاجة إلى الحماية.




