نقابة الصحفيين وتحالف «صمود».. استقلال النقابة أم اصطفاف التحالفات؟

كتب: حسين سعد
عضو مجلس نقابة الصحفيين السودانيين
لاول مرة في تاريخي المهني الذي تجاوز 21 عاماً أن أرد علي مقاله للزميلة العزيزة رشا عوض التي زاملتها في صحيفة أجراس الحرية وفي صحيفة التغيير حيث ظلت رشا لفترة طويلة وحتى اليوم ممسكة علي جمر القضية منافحة جسورة ضد التسلط والإستبداد مبشرة بالديمقراطية والدولة المدنية ، لكن مقالي اليوم يأتي رداً لما كتبته الاستاذة رشا عوض بعنوان (نقابة الصحفيين وتحالف صمود.. بعيداً عن التضليل) اعتبرت فيه أن السردية التي تقول إن وجود النقابة في تحالف سياسي ينتقص من مهنيتها واستقلالها لا أساس لها من الصحة، واستندت إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً: إن انخراط النقابات والاتحادات الصحفية والإعلامية في التحالفات السياسية ليس بدعة، بل توجد تجارب حول العالم، خصوصاً في مراحل مقاومة الأنظمة الاستبدادية والتحول الديمقراطي والسعي للسلام. وترى أن مشاركة نقابة الصحفيين السودانيين في «صمود» لا تتعارض مع العمل النقابي أو الاستقلالية، مستشهدة بمشاركة شبكة الصحفيين السودانيين سابقاً في تجمع المهنيين وقوى إعلان الحرية والتغيير.
ثانياً: ترى أن خروج النقابة من «صمود» لن يبعدها عن التسييس، لأن قرار الخروج نفسه قرار سياسي، وأن الذين دفعوا باتجاهه تحركوا بدوافع وأجندة سياسية، وبالتالي فهو انتقال من موقف سياسي إلى موقف سياسي آخر.
ثالثاً: ترى أن هناك خلطاً بين الحياد والاستقلال في النقاش حول علاقة الصحفي بالسياسة، وتؤكد أن الحياد في العمل والمؤسسات الصحفية «مستحيل»، وأنه لا ينبغي اعتباره قيمة إيجابية أو معياراً لجودة الصحفي أو الصحيفة.
غير أن مقال رشا عوض نفسه يقع في خلط جوهري بين ثلاثة مستويات مختلفة: حق الصحفي في ممارسة السياسة، وحق النقابة في اتخاذ مواقف سياسية، وعضوية النقابة تنظيمياً في تحالف سياسي،
فالصحفي ليس النقابة، والنقابة ليست تحالفاً سياسياً.
أولاً: وجود تجارب للتحالف لا يعني إلزام النقابة بالتحالف
لا خلاف على أن نقابات الصحفيين والأجسام المهنية في دول مختلفة شاركت في تحالفات سياسية، كما أن شبكة الصحفيين السودانيين وتجمع المهنيين أديا دوراً تاريخياً في ثورة ديسمبر وفي تجربة قوى إعلان الحرية والتغيير.
لكن وجود هذه التجارب لا يجعل العضوية التنظيمية في تحالف سياسي قاعدة ملزمة لكل نقابة وفي كل ظرف.
ما كان مناسباً في مواجهة نظام شمولي وفي مرحلة إسقاطه ليس بالضرورة مناسباً لبلد يعيش حرباً وانقسامات سياسية ومدنية وتحالفات متصارعة ومتغيرة.
التاريخ يُحترم، لكنه لا يلغي حق النقابة في مراجعة تجربتها، قرار النقابة بالخروج من صمود فرضته نقاشات عميقة وورقة سياسية تمت إجازتها تم نشرها للقاعدة الصحفية والرأي العام لذلك خروج النقابة من صمود يقوي وحدتها ويبعدها من الاستقطاب ا
ثانياً: كون القرار سياسياً لا يجعله قراراً حزبياً
صحيح أن قرار الخروج من «صمود» له أثر سياسي، كما أن كثيراً من القرارات النقابية لها آثار سياسية.
لكن القول إن القرار سياسي لا يعني أن النقابة أصبحت حزباً، أو أن المطالبين بالخروج انتقلوا بالضرورة من «موقف سياسي» إلى «موقف سياسي آخر» وفق أجندات خفية.
فالإضراب النقابي، والاحتجاج على قانون مقيد للحريات، والدفاع عن حقوق الصحفيين، كلها مواقف لها آثار سياسية، لكنها تظل جزءاً من العمل النقابي، أما القول إن الذين طالبوا بالخروج تحركوا وفق أجندات سياسية محددة، فهو ادعاء يحتاج إلى دليل. فالاختلاف مع قرار أو موقف نقابي لا يكشف نوايا أصحابه، فالعمل النقابي له قواعد راسخة وهي مناقشة الوثائق والمواقف والقرارات ولا تحاكم النوايا بلا دليل
ثالثاً: الاستقلال ليس هو الحياد
في السبب الثالث الذي أشارث له الاستاذة القديرة رشا عوض تبرز إحدى نقاط الخلط الأساسية في المقال.
لا أحد يقول إن النقابة يجب أن تكون «محايدة» تجاه الحرب أو الانتهاكات أو الاستبداد. بل يمكنها أن تكون واضحة في مواقفها: ضد الحرب، مع السلام، مع الحكم المدني الديمقراطي، مع حرية الصحافة وحقوق الإنسان، وضد العنصرية وخطاب الكراهية والانتهاكات، لكن كل ذلك لا يتطلب أن تكون النقابة عضواً تنظيمياً في تحالف سياسي، فالاستقلال النقابي لا يعني الصمت، كما أن الموقف السياسي لا يعني التبعية السياسية.
ولتوضيح ذلك أكثر تأتي أهمية الورقة السياسية التي ناقشها وأجازها مجلس النقابة. فالورقة لم تدعُ إلى اعتزال العمل العام، ولم تتخلَّ عن الديمقراطية أو الحكم المدني أو وقف الحرب، ولم تنحز إلى الجيش أو الدعم السريع. بل أكدت استقلال النقابة، وحماية الحريات وحقوق الإنسان، وإنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة السودان، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي ودولة المواطنة والقانون.
وفي الوقت نفسه، ميزت بين طبيعة وأنواع التحالفات وبين التنسيق المهني والحقوقي،
لذلك، يمكن الاختلاف مع الورقة ونقدها، لكن لا يمكن اختزالها في محاولة لإبعاد الصحفيين عن السياسة.
الأمر الثاني أشارت له نقابة الصحفيين في اخر تصريح صحفي لها بقولها نؤكد للجميع أن قرار مغادرة التحالفات ذات الطابع السياسي والتنظيمي، وفي مقدمتها تحالف «صمود»، هو قرار مبدئي لا لبس فيه، ولا تراجع عنه، ولا تردد في إنفاذه، بما يحفظ وحدة النقابة وتماسكها، ويعزز استقلال قرارها النقابي، دون أن يفت ذلك في عضد القوى المدنية العاملة على وقف الحرب والداعية إلى استعادة الحكم المدني الديمقراطي، أو ينتقص من دور النقابة ومواقفها المبدئية في الدفاع عن الحريات والعمل على استعادة المدنية وسيادة الديمقراطية.
كما يؤكد المجلس أن الخروج من التحالفات السياسية والتنظيمية لا يعني الانكفاء أو العزلة، ولا يمثل تراجعاً عن القضايا الوطنية والنقابية التي ظلت النقابة منحازة إليها، وفي مقدمتها وقف الحرب، وحماية المدنيين، والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.
ويؤكد المجلس كذلك عدم وجود أي تعارض بين استقلال النقابة عن التحالفات السياسية والتنظيمية وبين التنسيق والتعاون مع القوى النقابية المنتخبة والقوى المدنية، في القضايا المشتركة التي تخدم مصالح الصحفيين والشعب السوداني، وعلى رأسها العمل من أجل إيقاف الحرب، وتحقيق السلام، والإعلاء من قيمة الحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً.
إن استقلال النقابة ليس موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، وإنما هو مبدأ أساسي لضمان وحدة عضويتها، وتنوعها، وقدرتها على تمثيل جميع الصحفيين والصحفيات، بعيداً عن الاستقطابات والانقسامات السياسية، وبما يمكنها من أداء دورها النقابي والمهني باستقلالية وفاعلية
الأمر الأخر إن خروج النقابة من «صمود» لم يكن قراراً هبط من السماء.. هنالك أحاديث ظلت تردد ومطالب من بعض الزملاء بالخروج من صمود لذلك إن القرار لم يكن مفاجئاً ولا نتاج مؤامرة خارجية.
النقابات الديمقراطية تراجع تجاربها وتغير سياساتها عندما تتغير الظروف. ومن حق الأعضاء أن يطالبوا بمراجعة قرار سابق، ومن حق المؤسسة أن تعيد تقييم علاقاتها.
معلوم إن الساحة السياسية والمدنية السودانية تشهد اليوم انقسامات عميقة: هناك «صمود»، و«تأسيس»، وقوى مناهضة للحرب، وتحالف التغيير الجذري، وأخرين يساندوا الوقات المسلحة والقوات المشتركة وأحزاب وتنظيمات ومبادرات مدنية متعددة، فضلاً عن الخلافات والانقسامات داخل هذه التحالفات نفسها.
فكيف يمكن تحويل «صمود» إلى معيار وحيد للمدنية والديمقراطية؟
ثم إن النقابة نفسها ليست كتلة سياسية واحدة. تضم صحفيين يؤيدون الجيش والقوات المشتركة، وآخرين يرفضون الحرب وطرفيها، وآخرين ينتمون إلى قوى مدنية أو يسارية أو إسلامية أو اتحادية أو تيارات أخرى، فضلاً عن المستقلين.
في مثل هذا الواقع، يجعلنا نتسأل : هل الأفضل أن تبقى النقابة مظلة مهنية لكل هؤلاء، أم أن تدخل تنظيمياً في أحد التحالفات السياسية؟
إن الحفاظ على النقابة من الانقسام ليس قضية ثانوية، بلادنا تعاني كما قلنا من إنقسامات عديدة لذلك تحتاج النقابة إلى أن تكون مساحة جامعة، للجميع وقائدة للتغيير ومقاومة الحرب والكراهية والعنصرية لا جبهة إضافية في معسكرات الاستقطاب،
من حق الاستاذة والزميلة رشا عوض الدفاع عن استمرار النقابة في «صمود»، ومن حق المطالبين بالخروج الدفاع عن الاستقلال النقابي، ومن حق بقية الأعضاء نقد القرار أو تأييده. لكن ليس من حق أي طرف احتكار تعريف الديمقراطية أو المدنية ، أو تحويل الخلاف حول علاقة جسم مهني بتحالف سياسي إلى اتهامات بالتضليل أو العمى السياسي.
فالنقابة التي تريد أن تمثل جميع الصحفيين ينبغي أن تكون مساحة تجمعهم رغم اختلافاتهم، لا نسخة أخرى من انقساماتهم السياسية




