أخبار

الجميل الفاضل يكتب:السودانيون في انتظار توقيع مؤلِّف القلوب؟!

ليس كلُّ ما يُهدم يُبنى بالحجارة، ثمة أشياء إذا انهارت، احتاجت إلى ما هو أبعد من البنّاء، وما هو أعمق من السياسة، وأبطأ من الزمن.
إنها «القلوب»: تلك المُضغ التي إذا فسدت، فسد من حولها كل شيء.
وقد يكون السودان، بعد كل هذا الإفساد والسفك، واقفًا أمام هذا السؤال الخطير، الذي لم تطرحه عليه أيٌّ من حروبه السابقة:
سؤال: كيف نعيد جمع ما تفرّق بالنفوس، بعد كل هذا الذي تفرّق على الأرض؟
فالحرب يمكن أن تنتهي في الميدان، لكنها لا تنتهي بالضرورة في الذاكرة.
وقد تسقط الحواجز من الطرق، لكن ربما تبقى متاريس أخرى داخل صدور الناس.
وبالتالي قد تعود المدن إلى أبوابها، ولا يعود الإنسان إلى ما كان عليه.


ولذلك، ربما لا يكون السودان الآن في انتظار اتفاقٍ جديد فقط، ولا دستورٍ جديد، ولا ترتيبٍ جديد للسلطة؛ إنما في انتظار تأليفٍ جديد لهذه القلوب التي تفرقت بالناس أيدي سبأ.
ولعل هذا المفقود هو ذات المعنى القديم الذي ظلّ يطلّ علينا من وراء ستائر التاريخ.


فحين سُئل النبي ﷺ عن الأرض التي ينبغي أن يهاجر إليها المستضعفون، أشار إلى السودان تحت مسمى الحبشة الواسع القديم، وقال:
«إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق».
وبالتأكيد، فإن هذا الوصف المعنوي «أرض صدق» لم يكن مجرد وصفٍ لمكان، إنما هو إشارةٌ إلى معنى أعمق يمكن للأرض أن تحفظه، حتى إذا غفل عنه أهلها، ظلّ هو في غرفة الانتظار طويلًا يتأمل أن يتذكروه.
على أية حال، هنا في السودان، كم من أولياء مرّوا بين الناس ولم يرفعوا لأنفسهم راية مجد.


ويذكر في هذا السياق عبد العزيز الدباغ كثرة الصالحين في السودان، وكأن سترهم كان بعض مقامهم؛ لا يتقدمون على الناس بادعاء شيء، ولا يطلبون من الخير شهادةً على أنفسهم.
ثم يأتي فرح ود تكتوك، ليختصر المسافة عن حكمة هذه الأرض في جملة واحدة: «إن كان الصدق هنا لا ينجيك، فالكذب أيضًا لن ينجيك».


كأن الرجل لم يكن يتحدث عن الصدق بوصفه خُلُقًا فرديًا فقط، لكنه يتحدث عن قانونٍ أعمق تختزنه أرض السودان: وكأن ما ليس له أصلٌ في الصدق، لا يملك أن ينقذ نفسه، مهما طال به السير على طرقاتها الوعرة.
وربما لهذا كانت الفطرة السودانية السوية، في لحظات المحنة، أبلغ من كثير من الخطب.


عندما ضاقت البلاد بأهلها، فتح بعضهم بابه للغريب، وحين شحّ الطعام، اقتُسم مع غيره الكِسرة والرغيف، وحين انكسرت كل الطرق، صار الإنسان طريقًا للإنسان.
لم يسأل كثيرون: من أي القبائل أنت؟ ومن أي الجهات أتيت؟ ولا مع أي الجماعات تواليت؟
كان السؤال الأقدم يعود مهما غاب، ولو للحظة: هل أنت إنسان يحتاج إلى شيء؟
وهنا تكشف الحرب، رغم فظاعتها، شيئًا لا ينبغي أن نغفل عنه: أن تحت طبقات السياسة، وتحت الخوف، وتحت الاستقطاب، وتحت كل ما تراكم من زيف، ما زال هناك شيء باقٍ لم يمت.
شيءٌ طبق الأصل لشفرة الجينوم القديم، هو «الفطرة».
بيد أن الفطرة وحدها لا تكفي إذا ظلّت مجرد نجدةٍ عابرة في ساعة الخطر.


فما نحتاجه بعد الحرب هو أن تتحول تلك النجدة إلى سمة، والسمة إلى خلق عام، والخلق إلى أسلوب وطريقة عيش.
أن يصبح ما يفعله السوداني بالفطرة، هو نفسه ما سيفعله وقت يضع خرائط الدولة.


أن تكون الرحمة في القانون كما هي تنبعث حارة من القلوب، والعدل في المؤسسة طابعًا كما هو ينبض في الضمير، والكرامة في السياسة صفة حياة كما هي في كل بيت.
فالسودان لا يحتاج إلى أن يستعيد كل ماضيه كما كان، فإن بعض ذلك الماضي قد حمل بين تضاعيفه ما أوصله إلى هذه الهاوية.


ولا يحتاج السودان، بالمقابل، إلى أن يستعير مستقبله من آخر.
إنما يحتاج إلى أن يسترد أصله، ثم يمضي به إلى حيث لم يصل به من قبل، فالفطرة ليست عودةً إلى الوراء؛ إنها الأرض التي يمكن أن نمضي منها إلى الأمام.


غير أن هنا سرًّا آخر، فالناس قد يتجاورون ولا يتآلفون، وقد يتفقون على ورقة، وتظل قلوبهم شتى، مبعثرة كدقيق فوق شوك نثروه، وقالوا لحفاة يوم ريح أجمعوه.
ولهذا، قد تنفق الدولة كل ما في خزائنها على البناء، ثم تعجز عن بناء جسور صغيرة للثقة بين الناس.
وقد يُعاد ترسيم الحدود، ولا تُمحى حدود أخرى صار مستقرها داخل هذه النفوس.


ولهذا تأتي آية في القرآن كأنها تضع إصبعها على الموضع الذي عجزت عنه كل تلك الحسابات الخاسرة:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾.
“لكن الله ألف بينهم”، ربما من هنا تتغير زاوية النظر كلها، فالمسألة ليست فقط أن نجمع السودانيين في وطن واحد؛ لكن أن نجمع الوطن بأسره في قلوب السودانيين جميعًا.
وبالطبع، فالتأليف ليس أن نلغي الاختلاف، لكن أن نمنع الاختلاف من أن يتحول إلى عداء.
ليس أن نصنع إنسانًا سودانيًّا واحدًا، لكن أن نجعل السودانيين المختلفين قادرين على أن يكونوا أهلًا لوطن واحد، وهذا ما لا تصنعه القوة مهما توحشت.


فالقوة تستطيع أن تُسكت بندقية، لكنها لا تستطيع أن تُطفئ نار ثأر تمكنت من القلوب.
صحيح أن الاتفاق يستطيع أن يوقف إطلاق نار، لكن التأليف هو الذي يستطيع أن يفسح في الأفئدة أمكنة للمحبة والوداد.
ومن هنا ينشأ أيضًا سؤال ما بعد هذه الحرب ليقول: بأي قلبٍ سيحكم السودان؟
فالدولة التي لا يتغير قلبها، قد تعيد إنتاج حروبها بأسماء جديدة وأنماط مختلفة.


والبلد الذي يعيد بناء الجدران ولا يعيد بناء ما بينها، قد يستعيد عمرانه، ولا يستعيد عافيته.
ولعل السودان، لهذا كله، لا يحتاج فقط إلى من يكتب له دستورًا، إنما إلى من يرسم في قلوب أبنائه صورًا جديدة للتعايش والوئام.
وهنا يبرز دور القلم، فكل مرحلة من مراحل السودان كان قد كتبها قلم مختلف.


هناك أقلامٌ كتبت باسم الدين، وأقلامٌ باسم العروبة والاشتراكية، وأقلامٌ باسم الأيديولوجيا، وأقلامٌ باسم السلطة من أجل السلطة، وأقلامٌ باسم الخوف والطمع.
حتى صار السودان، في كثير من الأحيان، يقرأ نفسه من خلال أقلام بائرة جف حبرها في العالم بأسره.


لكن ما بعد هذه الحرب قد نحتاج إلى قلمٍ دفّاق، لا يكتب المنتصر والمهزوم، لا يكتب سودانًا فوق سودان، بل يكشف وجه السودان الذي ظلّ حيًّا علي مدي الدهور تحت الركام.
قلمٍ يعرف أن الكلمة ليست حبرًا فقط؛ وأن بعض الكلمات قد تشعل حربًا، كما أن بعضها قد يحيل تلك القلوب الجافة إلى قلوب رطبة.


قلم يردّ الإنسان إلى إنسانيته، والأوطان إلى معانيها، والاختلاف إلى صبر يكفي لانتظار توقيع المؤلِّف، الذي هو ليس توقيعًا على اتفاق، ولا على دستور، ولا على خريطة.
هو توقيع يجعل ما تفرّق قابلًا لأن يجتمع، وما انكسر قابلًا لأن يلتئم، وما أفسدته الحرب قابلًا لأن يسترد معاني إنسانيته في الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى