م.عبدالله موسي يكتب … هل تصنع الجامعات السودانية نهضة من آثار الحرب إلى فرصة لإطلاق مشروع وطني للمعرفة والتكنولوجيا؟

من الهند إلى نيالا وبورتسودان
هل تصنع الجامعات السودانية نهضة من آثار الحرب إلى فرصة لإطلاق مشروع وطني للمعرفة والتكنولوجيا؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م.عبدالله موسى احمد – باحث
لم تعد إعادة بناء السودان بعد حرب 15 أبريل 2023 تعني ترميم الجامعات واستعادة الدراسة فحسب، بل أصبحت معركة لإعادة بناء الإنسان والدولة على أسس جديدة. وفي قلب هذه المهمة يقف التعليم العالي بوصفه القاطرة القادرة على تحويل آثار الحرب إلى فرصة لإطلاق مشروع وطني للمعرفة والتكنولوجيا.
من هنا تبرز التجربة الهندية باعتبارها درساً مهماً للدول النامية. فالهند لم تصنع قوتها التكنولوجية بوفرة الموارد وإنما باستثمار طويل الأمد في التعليم والهندسة والبحث العلمي، ثم ربط الجامعات بسوق العمل والصناعة واحتياجات المجتمع. انتقلت بذلك من تصدير خدمات البرمجيات إلى بناء منظومة رقمية متقدمة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة والخدمات الرقمية.
لكن قيمة التجربة الهندية بالنسبة للسودان لا تكمن في استنساخها وإنما في فهم فلسفتها فى بناء الإنسان أولاً، ثم البنية الرقمية، ثم تحويل المعرفة إلى اقتصاد.
الجامعة السودانية أمام اختبار مختلف، الحرب كشفت هشاشة البنية التعليمية، لكنها كشفت في الوقت نفسه أهمية التكنولوجيا في استمرار التعليم والاتصال والخدمات. ولذلك فإن مهمة وزارة التعليم العالي في حكومتى تأسيس بنيالا والأمل ببورتسودان ينبغي ألا تقتصر على استعادة ما دمرته الحرب، لكن أن تتجه إلى بناء جامعة مختلفة في وظائفها وأدواتها.
غالجامعة المطلوبة ليست مؤسسة تمنح الشهادات فقط وإنما مركز لإنتاج المعرفة وحل المشكلات وصناعة الكفاءات. فالسودان يحتاج إلى مهندسين ومبرمجين وعلماء بيانات ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة المتجددة والتصنيع الرقمي والزراعة الذكية، بقدر حاجته إلى التخصصات التقليدية.
ففى نيالا الجامعة في خدمة إعادة إعمار دارفور، يمكن لجامعات حكومة تاسيس نيالا أن تصبح جزءاً من مشروع إعادة إعمار دارفور، عبر توجيه البحث العلمي نحو احتياجات الإقليم الحقيقية. فالزراعة والمياه والطاقة والتعدين والتصنيع الغذائي والعمران ليست مجرد قطاعات اقتصادية، لكنها ميادين مفتوحة أمام الابتكار الجامعي.
لماذا لا يتحول مشروع تخرج إلى نظام ذكي لإدارة المياه؟ ولماذا لا تستخدم تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي في مراقبة المحاصيل وتقدير الإنتاج؟ ولماذا لا تتحول الدراسات التعدينية إلى مشروعات صناعية تضيف قيمة إلى الموارد المحلية؟
بهذه العقلية تصبح الجامعة مختبراً لإعادة الإعمار وليس مجرد مبنى يستأنف نشاطه بعد الحرب.
ففى حكومة الامل بورتسودان لماذا لا تكون بوابة التكنولوجيا والاقتصاد، خاصة بورتسودان فإن موقعها ودورها في الاقتصاد الوطني يتيحان للجامعات فيها بناء تخصصات مرتبطة بالموانئ والنقل واللوجستيات والطاقة والاتصالات والاقتصاد الرقمي. ويمكن تطوير أبحاث في الذكاء الاصطناعي لإدارة الموانئ وسلاسل الإمداد وتحليل البيانات التجارية والأمن السيبراني والطاقة الشمسية والرياح وتقنيات المياه.
إن ربط الجامعة بالميناء والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية يمكن أن يحول المدينة إلى مركز تكنولوجي سوداني يستوعب الشباب ويخلق فرصاً جديدة للعمل والاستثمار.
الدرس الهندي يبدأ من الإنسان، أهم ما يمكن أن تتعلمه الجامعات السودانية من الهند هو أن التكنولوجيا ليست أجهزة وبرمجيات فقط وإنما قبل ذلك عقول قادرة على إنتاجها وتطويرها. وهنا تقع مسؤولية أساسية على وزارة التعليم العالي فى إعادة تأهيل الكوادر الأكاديمية وتحديث المناهج وإدخال علوم البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية في البرامج الجامعية، إلى جانب توفير التدريب المستمر للطلاب والأساتذة.
كما ينبغي إنشاء صندوق وطني لتمويل البحث العلمي التطبيقي، بحيث تتجه الأولوية إلى المشروعات القادرة على معالجة مشكلات السودان وتحويل نتائج البحوث إلى منتجات وخدمات.
من الجامعة إلى الصناعة، لن تحقق الجامعات نهضة تكنولوجية حقيقية إذا بقيت المعرفة حبيسة الأوراق والرسائل الجامعية.
التجربة الهندية تقدم درساً واضحاً في ضرورة إنشاء جسور بين الجامعة والسوق، من خلال حاضنات الأعمال، ومراكز الابتكار، ونقل التكنولوجيا، وتمويل الشركات الناشئة.
وقد يبدأ المشروع بفريق طلابي صغير يطور تطبيقاً للزراعة أو المياه أو الخدمات الحكومية، ثم يتحول إلى شركة، ثم إلى صناعة قادرة على خلق الوظائف واستقطاب الاستثمار. وهكذا تنتقل الجامعة من إنتاج الخريج إلى إنتاج الفرصة.
البنية الرقمية شرط البداية، ولا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي متقدم من دون بنية رقمية قوية.
لذلك تحتاج الجامعات السودانية إلى شبكة تعليمية وطنية، ومكتبات رقمية، ومراكز بيانات وحوسبة سحابية، ومنصات للتعليم الإلكتروني، وربط المؤسسات الأكاديمية السودانية بشبكات البحث العالمية. كما يمكن إنشاء مختبرات متخصصة تتوزع بين الجامعات وفق احتياجات كل إقليم، بدلاً من استنزاف الموارد في تكرار البنية نفسها داخل كل مؤسسة.
المطلوب في النهاية هو عقل جامعي سوداني مترابط، تتكامل فيه الجامعات بدلاً من أن تعمل كجزر منفصلة.
حكومتى تأسيس والأمل أمام فرصة تاريخية، إذا كانت تأسيس في نيالا والأمل في بورتسودان تمثلان محاولتين لبناء مراكز مؤسسية في ظل واقع سوداني جديد، فإن الجامعات الموجودة في محيطهما تستطيع أن تكون شريكاً رئيسياً في هذا التحول.
لكن النجاح لن يقاس بعدد الكليات أو المباني الجديدة، بل بقدرة هذه المؤسسات على تخريج جيل يستطيع البرمجة والتصميم والبحث والابتكار وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية. وهذا يتطلب رؤية تتجاوز عمر الحكومات والوزارات وتتعامل معه التعليم العالي باعتباره مشروعاً قومياً طويل المدى.
لا تعيدوا بناء الجامعة القديمة، إلى وزارتي التعليم العالي في حكومتي تأسيس والأمل لا تجعلوا مهمة ما بعد الحرب مجرد إعادة فتح الجامعات واستعادة ما تهدم، فذلك يعيد إنتاج الماضي ولا يصنع مستقبل السودان.
المطلوب قرار سياسي واضح يضع العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب مشروع الدولة ويحوّل الجامعات من مؤسسات لمنح الشهادات إلى مراكز لإنتاج المعرفة والابتكار والصناعة. ابدؤوا بتأهيل الأستاذ وتمكين الطالب وربط البحث العلمي بحاجات المجتمع وإنشاء مختبرات رقمية وحاضنات أعمال وفتح الجامعات أمام الشراكة مع القطاع الخاص والكفاءات السودانية في الداخل والخارج.
تعلموا من الهند أن الدول لا تصبح قوية لأنها تملك الموارد فقط وإنما لأنها تعرف كيف تحول العقل إلى مورد استراتيجي.
إن السودان الخارج من الحرب لا يحتمل سنوات أخرى من التجريب الإداري أو الخطط التي تنتهي بانتهاء الوزراء. المطلوب مشروع وطني للتعليم العالي يمتد لعقود، لا دورة حكومية واحدة.
فالقرار الذي تتخذه وزارتا تأسيس والأمل اليوم سيحدد ما إذا كان جيل ما بعد الحرب سيولد مستهلكاً لتكنولوجيا الآخرين، أم جيلاً قادراً على إنتاج التكنولوجيا وحماية بيانات بلاده وبناء اقتصاده واستعادة مكان السودان بين الأمم. لا تعيدوا بناء الجامعات كما كانت، ابنوا جامعات تستطيع أن تبني السودان الذي لم يكن الذى يحلم به كل السودانيين.



