ستراحة الجمعة .. إبراهيم موسى أبا الموسيقى والفنان الذى اخرج الصوت الكردفانى من الرمال إلى فضاء السودان

مركز الاستدامة للتتمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
في كردفان حيث تمتزج رائحة الأرض والرمال بوقع حوافر الضان والابقار والإبل وحيث تنبت الأغنية من تفاصيل الحياة اليومية قبل أن تولد في دفاتر الشعراء، لم تكن الموسيقى مجرد وسيلة للترفيه فيها لكنها كانت ذاكرة شعب ولسان مجتمع وسجلًا شفاهيًا يحفظ أفراح الناس وأحزانهم ومواعيد الحب والرحيل. ومن تلك البيئة خرج صوتٌ استطاع أن يحمل شيئًا من روح كردفان الغرة إلى بقية السودان وأن يجعل من الإيقاع الكردفاني المعتق مادة قابلة للاستماع خارج موطنها ومن مفردات البادية والريف لغةً غنائية تصل إلى المدينة والمذياع والمسرح. ذلك هو إبراهيم موسى أبا، الفنان الذي لم يكن مجرد مطرب يؤدي الأغنيات وإنما كان واحدًا من الأصوات المهمة في رحلة انتقال الأغنية الكردفانية من إطارها المحلي إلى فضاء الأغنية السودانية الحديثة.
ولد إبراهيم موسى أبا واسمه الكامل إبراهيم محمد موسى بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، في حي الرحمة المعروف سابقًا بحي الفلاتة عام 1945م. أما اسم أبا فقد جاء من والدته التي أطلقت عليه هذا اللقب، فتحول مع الزمن إلى اسم فني التصق بصاحبه حتى صار جزءًا من هويته الفنية.
من محل الملابس إلى عالم الموسيقى، لم تبدأ حكاية إبراهيم موسى أبا من المسارح ولا من استوديوهات التسجيل. ففي بدايات حياته العملية عمل بائعًا في محل لبيع الملابس والأزياء النسائية بمدينة الأبيض. لكن الفن كان ينتظره في مكان آخر. في أوائل سبعينيات القرن الماضي، بدأت علاقته الفعلية بالموسيقى والغناء من خلال فرقة فنون كردفان وهي البيئة التي أتاحت له أن يتعلم العزف على الآلات الموسيقية وأن يتدرج في الأداء حتى أصبح مدربًا للموسيقى داخل الفرقة.
وهنا بدأت ملامح الفنان تتشكل. فالفرقة لم تكن مجرد محطة عابرة في حياته وإنما كانت مدرسة عملية أتاحت له الاحتكاك بالموسيقيين والتعرف إلى الإيقاعات المحلية وفهم علاقة اللحن بالأداء والاستماع إلى التراث الكردفاني من داخله، لا باعتباره مادة فولكلورية جامدة، لكن باعتباره موسيقى حية قابلة للتطوير والتجديد. ومن الأبيض، انتقل أبا إلى مرحلة أكثر تخصصًا مع معهد جمعة جابر، المعروف بمعهد كردفان للموسيقى الذي لعب دورًا مهمًا في تكوين جيل من
الموسيقيين والفنانين في كردفان.
معهد كردفان فية أصبحت الموهبة معرفة،
كانت أهمية معهد كردفان للموسيقى تتجاوز تعليم العزف بالمعنى الضيق. فقد مثل مساحة للقاء الموهبة بالتدريب واسماع الشعبي بالمعرفة الموسيقية والتجربة الفردية بالعمل الجماعي.
وفي مثل هذه البيئات الفنية تتطور الموهبة بصورة مختلفة فالفنان لا يكتفي بما ورثه من أذنه وبيئته وإنما يبدأ في فهم البناء الموسيقي والإيقاع واللحن والتوزيع والأداء. وهذا ما انعكس على تجربة إبراهيم موسى أبا. فقد ظل متأثرًا بعدد من رموز الغناء السوداني ومن بينهم أحمد الجابري والطيب عبد الله، لكنه لم يتحول إلى نسخة من هؤلاء الفنانين. أخذ من المدرسة السودانية الحديثة ما يخدم تجربته، ثم عاد إلى بيئته الكردفانية ليصوغ منها لونًا خاصًا به.
وهنا تكمن قيمة تجربته. أبا بين الخماسي الكردفاني والسلم الخماسي السوداني من أكثر الجوانب أهمية في تجربة إبراهيم موسى أبا محاولته الجمع بين عناصر متعددة من الموسيقى السودانية. فالأغنية السودانية الحديثة ولا سيما امتداد المدرسة التي تشكلت حول الحقيبة وما بعدها، قامت في جانب كبير منها على السلم الخماسي بينما تحمل الموسيقى الكردفانية في بعض أنماطها وموروثاتها، خصائص لحنية وإيقاعية مختلفة، ارتبط بعضها بالسلم السباعي وبالأنماط المحلية.
ومن هنا جاء الاشتغال الإبداعي لأبا على المزج بين ما هو سوداني عام وما هو كردفاني خاص. لم يكن هدفه أن يعزل التراث الكردفاني داخل جغرافيته، بل أن يفتح له الطريق نحو المستمع السوداني في المدن والقرى والإذاعة والتسجيل.
ولهذا ظهرت في أعماله ألحان وإيقاعات مستوحاة من البيئة الكردفانية ومنها الإيقاعات الطنبورية ولكنها قُدمت في قالب موسيقي حديث يستطيع المستمع أن يتلقاه دون أن تفقد الأغنية روحها الأصلية.
ما دوامة الأغنية التي حملت كردفان إلى الناس، عندما تُذكر تجربة إبراهيم موسى أبا لا يمكن تجاوز أغنيته الشهيرة ما دوامة. في هذه الأغنية تلتقي البساطة بالخيال الشعبي وتظهر مفردات المكان الكردفاني في صورة غنائية قريبة من الوجدان مقطع منها يقول:
ما دوامة
الدنيا ما دوامة
الدنيا ما تنقدري
شايلة صغيرًا قدري
في المنام دموعي بلت صدري
بركب أم كركابة
بدلّى في أم روابة
النهيد الطاعن دابا
جنني وجنن العزابة
ليست أهمية الأغنية في كلماتها وحدها وإنما في الطريقة التي استطاعت بها أن تجعل من أسماء الأمكنة ومفردات الحياة اليومية مادة للغناء الجماهيري.
فـأم كركابة وأم روابة ليستا مجرد إشارتين جغرافيتين، إنهما جزء من ذاكرة المكان ومن صورة كردفان في المخيلة السودانية.
وهنا تظهر إحدى وظائف الفن الشعبي أن يجعل الجغرافيا عاطفة والمكان أغنية والذاكرة لحنًا.
تميزنه البساطة التي لم تكن فقرًا فنيًا، تميز إبراهيم موسى أبا بلونية خاصة داخل مدرسة الغناء الكردفاني الحديث، إلى جانب أسماء كبيرة مثل عبد القادر سالم وثنائي النغم. لكن خصوصية أبا لم تكن في البحث عن التعقيد الموسيقي من أجل التعقيد وإنما في قدرته على الوصول إلى المستمع من خلال اللحن البسيط والنص القريب والأداء الواضح.
كانت الأغنية عنده مساحة لتعدد الألحان، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تفقد قدرتها على الوصول إلى الأذن الشعبية. وهذه معادلة صعبة في الفن أن يكون العمل بسيطًا دون أن يكون ساذجًا وقريبًا من الناس دون أن يفقد قيمته الفنية. كما امتاز أداؤه بوضوح الصوت الإنساني فوق الإيقاع والمصاحبة الموسيقية مع حضور واضح للتطريب، الأمر الذي منح أغنياته طابعًا خاصًا يمكن للمستمع أن يتعرف إليه حتى قبل معرفة اسم المغني.
الشعراء هم النصف الآخر من الأغنية، لم يكن نجاح تجربة أبا قائمًا على صوته وحده. فالأغنية مشروع جماعي، يبدأ بالكلمة ثم يمر عبر اللحن والتوزيع والأداء، حتى يصل إلى المستمع. وقد تعاون إبراهيم موسى أبا مع عدد من الشعراء الغنائيين، من بينهم عبد الله الكاظم ومصطفى عبد الهادي وغيرهما ممن أسهموا في بناء النصوص التي حملها صوته. وكانت هذه الشراكة بين الشاعر والمغني والموسيقي واحدة من أهم عناصر تطور الأغنية الكردفانية الحديثة. فالشاعر يمنح الفنان الكلمة والملحن يمنحها الروح الموسيقية والمغني يمنحها الحياة. ومن هنا يمكن قراءة تجربة أبا باعتبارها تجربة فنية جماعية، لا سيرة صوت منفرد.
وفى تجربتة عز التوب حين يتحول الموروث إلى موضوع غنائي ومن الأغنيات اللافتة في تجربة إبراهيم موسى أبا أغنية عز التوب، وكت ينشال وينفّره، وعلى الكتفين يتيه مرّة ويتوه مرّة، التي حملت موضوعًا جديدًا في تناولها للتوب بوصفه موروثًا ثقافيًا واجتماعيًا وفنيًا وتاريخيًا.
الأغنية كتبها الشاعر بشرى سليمان في بدايات تجربته الشعرية، وشارك بها في مهرجان الثقافة عام 1979، ثم لحنها الموسيقار عبد الماجد خليفة وغناها إبراهيم موسى أبا ، وهي من الأعمال التي كتب كلماتها الشاعر في فترة دراسته الجامعية لمهرجان الثقافة فى الخرطوم.
وتكتسب الأغنية أهميتها من كونها لم تتعامل مع التوب باعتباره قطعة من الملابس فحسب لكن جعلت منه مدخلًا للحديث عن الثقافة والهوية والذاكرة الاجتماعية.
وقد وصف بشرى سليمان تجربته مع الأغنية باعتبارها تحديًا كبيرًا، لأنها كانت بالنسبة إليه محاولة لكتابة أغنية شاملة تجعل من التوب إرثًا ثقافيًا وفنيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. وهنا تتجلى قدرة الفن على إعادة اكتشاف الأشياء التي تبدو عادية في حياتنا اليومية.
فالثوب قد يكون لباسًا، لكن الأغنية تستطيع أن تجعله ذاكرة.
قائمة من الأغنيات وذاكرة لا تختصرها أغنية واحدة، ترك إبراهيم موسى أبا عددًا من الأغنيات التراثية وغير التراثية التي أسهمت في تكوين صورته الفنية، من بينها، عيني عليك باردة، العجكو، البريداها، عز التوب، طمبارة، البنية مالكي، المحبة،
آمال محب، شايل سماح، أم روبة، سألنا عن اسمك، ليالي العمر، كلام عيونك، ساكن بين الضلوع، زاد الشوق، الدنيا يا عشة، وبشرى. وهذه الأعمال تكشف أن تجربته لم تكن محصورة في إعادة تقديم التراث، بل اتجهت كذلك إلى بناء أغنية جديدة تستفيد من الموروث دون أن تكون أسيرة له. وهذا تحديدًا هو الفارق بين الفنان الذي يحفظ التراث والفنان الذي يستطيع أن يجعله يعيش في زمن جديد.
من التراث إلى الحداثة دون فقدان الهوية، ربما تكون أعظم مساهمات إبراهيم موسى أبا أنه لم ينظر إلى التراث بوصفه شيئًا ينبغي وضعه في المتحف. لقد تعامل معه باعتباره مادة قابلة للحياة.
فالتراث الغنائي الكردفاني كان موجودًا في وجدان الناس قبل أبا، لكنه ظل في كثير من الأحيان محكومًا بحدود المكان والمجتمع والبيئة التي نشأ فيها. وجاء أبا ليعيد تقديم هذا التراث بصوت جديد وآلات موسيقية حديثة وبناء لحني أكثر انفتاحًا، بحيث يستطيع المستمع في الخرطوم أو أم درمان أو أي مدينة أخرى أن يسمع شيئًا من كردفان دون أن يفقد العمل هويته.
وهذه ليست مهمة سهلة. لأن الفنان الذي ينقل التراث إلى جمهور أوسع يواجه خطرين متناقضين هما إما أن يحافظ عليه بصورة جامدة فلا يصل إلى الأجيال الجديدة أو أن يبالغ في تحديثه حتى يفقد ملامحه الأصلية. وما يميز تجربة أبا أنه حاول السير في المنطقة الوسطى تحديث الشكل مع الحفاظ على روح المكان.
إبراهيم موسى أبا أكثر من مطرب، إذا أردنا أن نضع إبراهيم موسى أبا في مكانه الصحيح داخل تاريخ الموسيقى السودانية، فإن اختزاله في لقب مطرب كردفاني لا يكفي. كان أبا جزءًا من حركة ثقافية أوسع عملت على إدخال الأقاليم إلى قلب المشهد الفني السوداني. لقد أسهم، مع فنانين وموسيقيين وشعراء آخرين، في التأكيد على أن السودان لا يملك لونًا موسيقيًا واحدًا وأن الغناء السوداني الحقيقي يتشكل من تعدد البيئات والثقافات والإيقاعات واللهجات.
ومن كردفان جاءت واحدة من هذه الأصوات التي أضافت إلى المشهد الوطني لونًا جديدًا.
ولهذا فإن تجربة أبا ترتبط كذلك بمسألة أكبر من الأغنية نفسها وهى مسألة الاعتراف بالتنوع الثقافي بوصفه مصدر قوة للجمال السوداني.
الأبيض المدينة التي أنجبت الصوت، لا يمكن فصل تجربة أبا عن مدينة الأبيض.
الأبيض ليست مجرد مدينة في غرب السودان وإنما واحدة من المدن التي لعبت تاريخيًا دورًا مهمًا في حركة التجارة والثقافة والتواصل بين مناطق السودان.
وفي هذا الفضاء المتنوع تشكلت حساسية أبا الفنية. فقد كان قريبًا من الشارع، من الأسواق، من الناس، ومن الحياة اليومية التي لا تحتاج إلى قاموس خاص لكي تتحول إلى أغنية. ولذلك تبدو أغنياته، في كثير من الأحيان وكأنها خرجت من بين الناس ثم عادت إليهم في صورة لحن.
فى1992نهاية النشاط وبقاء الأثر، ظل إبراهيم موسى أبا نشطًا في المجال الفني حتى عام 1992م. لكن توقف النشاط الفني لا يعني بالضرورة نهاية الفنان. هناك فنانون ينتهي حضورهم بانتهاء حفلاتهم، وهناك آخرون يبدأ حضورهم الحقيقي بعد أن تتحول أعمالهم إلى جزء من الذاكرة.
وإبراهيم موسى أبا من الفئة الثانية.
فالأغنية التي ارتبطت بمكان ووجدان وإيقاع تستطيع أن تعيش أطول من صاحبها وأن تنتقل من جيل إلى جيل وأن تستعاد في مناسبات مختلفة وأن تصبح جزءًا من تعريف الناس ببيئة لم يعيشوا فيها.
لماذا نحتاج إلى إعادة قراءة تجربة أبا اليوم؟ في زمن تتعرض فيه الذاكرة السودانية للتشظي وتتهدد الحرب كثيرًا من مظاهر الحياة الثقافية والفنية، يصبح استحضار تجارب الفنانين الذين حفظوا التنوع السوداني ضرورة ثقافية، لا مجرد احتفاء بالماضي. فإبراهيم موسى أبا ينتمي إلى جيل كانت الأغنية فيه جسرًا بين المركز والأقاليم، وبين المدينة والريف، وبين الموروث والتحديث.
ومن المهم اليوم أن تُجمع أعماله وتوثق، وأن تُدرس ألحانه وإيقاعاته، وأن تُحفظ تسجيلاته، وأن يتعرف الجيل الجديد إلى تجربته بعيدًا عن الذاكرة الشفاهية وحدها.
فالفن الذي لا يوثق معرض لأن يتحول من تاريخ حي إلى حكاية ناقصة.
عندما يصبح الفنان ذاكرة وطن، لم يكن إبراهيم موسى أبا مجرد صوت جميل جاء من كردفان وغنى لأهلها. كان واحدًا من أولئك الفنانين الذين جعلوا من الموسيقى وسيلة لاكتشاف السودان نفسه. أخذ من البيئة الكردفانية إيقاعها ومفرداتها وصورها واستفاد من المدرسة الموسيقية السودانية الحديثة والتقى بالشعراء والملحنين والموسيقيين، ثم صنع لنفسه لونًا استطاع أن يعبر حدود الأبيض وكردفان إلى جمهور سوداني أوسع.
وفي أغنياته ظلت كردفان حاضرة في المكان، وفي الإيقاع، وفي الكلمة، وفي طريقة الأداء.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نتعامل مع إبراهيم موسى أبا بوصفه صفحة من الماضي، بل باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لتوثيق الذاكرة الموسيقية السودانية.
فالسودان الذي نريد أن نعيد بناءه بعد الحرب لا يحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده لكن يحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الذاكرة. وإذا كانت المدن تُبنى بالطوب والأسمنت، فإن الوجدان يُبنى بالأغنية.
وفي هذا البناء، سيظل صوت إبراهيم موسى أبا واحدًا من الأصوات التي قالت للسودانيين، ببساطة وصدق هذه هى كردفان اسمعوا صوتها.




