مقالات

ايوب (مجنق) يكتب .. شهداؤنا نبض الذاكرة وعهد المسيرة: من وفاء الذكرى إلى استحقاق العدالة


بقلم: ايوب محمد( مجنق )


لا تأتي ذكرى شهداء حركة/جيش تحرير السودان بوصفها مناسبةً عابرة لتبادل كلمات الرثاء واستعادة الصور والوجوه التي غيّبها الموت؛ وإنما تأتي بوصفها محطةً وطنية وأخلاقية لاستحضار المعنى العميق للتضحية.


فالشهداء الذين بذلوا أرواحهم لم يكونوا يبحثون عن مجد شخصي أو مكاسب عابرة، بل حملوا في وجدانهم قضية شعبٍ طالما أثقلته الحروب والتهميش والتمييز وغياب العدالة.
إن الشهداء هم نبض الذاكرة، لأن ذاكرتهم لا تنتمي إلى أسرهم ورفاقهم وحدهم، بل إلى كل سوداني وسودانية يؤمن بأن الكرامة حق، وأن المواطنة لا ينبغي أن تُقاس بالعرق أو الجهة أو اللون أو الانتماء السياسي. وفي بلدٍ أنهكته الصراعات المتكررة، تصبح المحافظة على ذاكرة الشهداء ضرورةً لمقاومة النسيان، ومقاومةً لكل محاولة لتجريد التضحيات من معناها الإنساني والوطني.


لقد كانت قضايا دارفور، في جوهرها، تعبيرًا عن اختلالات تاريخية في شكل الدولة السودانية وطريقة إدارتها للتنوع والثروة والسلطة. لذلك فإن الوفاء للشهداء لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بإقامة الفعاليات الرمزية فحسب، بل بالعمل الجاد من أجل معالجة جذور الأزمة: التهميش، وغياب التنمية المتوازنة، والإقصاء السياسي، والانتهاكات التي ظلت تُرتكب بحق المدنيين دون مساءلة حقيقية.


إن استذكار الشهداء ينبغي أن يقودنا إلى سؤال صريح: أيُّ وطنٍ يليق بمن ضحوا بأرواحهم؟ هل هو وطن الحرب والانقسام والكراهية؟ أم وطن السلام والحرية والعدالة والمساواة؟ إن الإجابة لا تحتاج إلى كثير تأمل؛ فدماء الشهداء لا يمكن أن تكون جسرًا لعبور الطموحات الضيقة أو الصراعات الشخصية، بل يجب أن تظل منارةً تدفع الجميع نحو مشروع وطني واسع، يتسع لكل السودانيين دون إقصاء أو استعلاء.
وفي هذه الذكرى، تبرز العدالة بوصفها الاستحقاق الأهم. فالعدالة ليست انتقامًا، وليست شعارًا للاستهلاك السياسي، بل هي إنصاف للضحايا، ومحاسبة للمسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وفق القانون، وضمانة لعدم تكرار المآسي.

كما أن العدالة تعني الاعتراف الصريح بآلام المجتمعات التي عانت، ورد الاعتبار للنازحين واللاجئين وأسر الشهداء، وتمكينهم من المشاركة الحقيقية في تقرير مستقبل بلادهم.
إن طريق العدالة طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد إلى سلام مستدام.


فلا سلام يمكن أن يُبنى فوق ذاكرة مثقلة بالجراح، ولا مصالحة يمكن أن تستقر من دون كشف للحقيقة وإنصاف للضحايا. ولذلك فإن تحويل ذكرى الشهداء إلى عهد للمسيرة يقتضي الالتزام بمبادئ واضحة: وقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض خطاب الكراهية، وإعلاء قيمة الحوار، وبناء دولة القانون والمؤسسات.


كما أن مسؤولية الوفاء للشهداء تقع على عاتق القوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة والمجتمعات المحلية والشباب والنساء، وعلى كل من يحمل همّ الوطن. فالقضية لا تُصان بالاحتكار، ولا تُختزل في تنظيم أو فرد، وإنما تنمو حين تصبح قيمها ملكًا مشتركًا لكل الناس. إن أفضل تكريم للشهداء هو أن نعمل على ألا يفقد سوداني آخر حياته بسبب الحرب أو التهميش أو الكراهية.


إن شعار «شهداؤنا نبض الذاكرة وعهد المسيرة» ليس مجرد عبارة وجدانية؛ إنه دعوة إلى تحويل الحزن إلى وعي، والوفاء إلى عمل، والذاكرة إلى مشروع للمستقبل. فحين نتمسك بحقوق الضحايا، وندافع عن كرامة الإنسان، ونقف ضد الظلم أينما كان، نكون قد أوفينا، ولو بجزء يسير، لدين الشهداء.


رحم الله شهداء السودان جميعًا، وحفظ ذاكرة الذين مضوا وهم يحلمون بوطنٍ تسوده العدالة والسلام والمواطنة المتساوية. وليكن عهدنا لهم أن تظل تضحياتهم حاضرةً في الضمير الوطني، لا كصفحات من الماضي، بل كبوصلةٍ لمسيرة لم تكتمل بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى