موج المتوسط لا يسأل عن أسماء الغارقين

الكاتب/ ايوب محمد عبد الرحمن
لا يسأل موج البحر الأبيض المتوسط عن اسم الغارق، ولا عن المدينة التي جاء منها، ولا عن أحلامه الصغيرة التي حملها في حقيبة بالكاد تتسع لملابس السفر. حين ينقلب القارب في عرض البحر، تختفي الفوارق بين الشاب الذي غادر الخرطوم، وآخر خرج من دارفور أو الجزيرة أو كردفان؛ جميعهم يتحولون في لحظة إلى أرقام في خبر عاجل، أو أسماء تنتظرها أسرهم على الشاطئ وفي مجموعات الواتساب.
لم يكن كثير من الشباب السودانيين الذين اختاروا طريق البحر يبحثون عن رفاهية أو مغامرة عابرة. كانوا، في الغالب، يبحثون عن فرصة للنجاة: من حربٍ التهمت المدن والقرى، ومن خوفٍ يومي، ومن بطالةٍ وانسداد أفق، ومن مستقبل لم يعد واضحا في وطنهم. لكن الطريق الذي ظنوه جسرا إلى الحياة صار في أحيان كثيرة ممرا آخر إلى الموت.
إن مأساة الغرق في المتوسط ليست مجرد حادث هجرة غير نظامية، بل هي امتداد مباشر لمأساة أوسع. فالحرب لا تقتل فقط بالقذائف والرصاص، بل تقتل أيضا عندما تدفع الناس إلى النزوح، وتكسر الاقتصاد، وتعطل التعليم، وتحرم الشباب من العمل والأمان والأمل. وحين يشعر الشاب أن البقاء في بلده لا يمنحه فرصة للحياة الكريمة، يصبح البحر، رغم رعبه، خيارا يبدو أقل قسوة من واقع لا يرحم.
المؤلم أن قوارب الموت لا تحمل أفرادا فقط، بل تحمل قصص أسر كاملة. خلف كل شاب غريق أم تنتظر اتصالا، وأب باع ما يملك لتدبير كلفة الرحلة، وإخوة يعلّقون أحلامهم على وصوله، وربما أطفال كانوا يتوقعون أن يرسل لهم مصروف المدرسة أو دواء المرض. وعندما يأتي الخبر، لا تغرق الأجساد وحدها؛ تغرق معها خطط أسر، وذكريات، وآمال مؤجلة.
وفي كثير من الأحيان، لا تتوقف المأساة عند الغرق. فقبل البحر توجد طرق التهريب، والابتزاز، والاحتجاز، والعنف، والاستغلال. الشاب الذي يهرب من الحرب قد يجد نفسه واقعا في قبضة شبكات تتاجر بالخوف والحاجة، فتسلبه ماله وكرامته، ثم تضعه في قارب متهالك محمّل بأكثر مما يحتمل. هكذا يصبح الإنسان الذي كان يبحث عن الأمان سلعة في سوق الهجرة غير النظامية.
لا ينبغي أن نتعامل مع هذه الحوادث باعتبارها أخبارا موسمية سرعان ما ننساها. السؤال الحقيقي ليس: لماذا غادروا؟ بل: ما الذي جعلهم يشعرون بأن الرحيل عبر البحر هو الحل؟ وما الذي يجب أن نفعله حتى لا يصبح المتوسط مقبرة مفتوحة لشباب السودان؟
إن حماية الشباب تبدأ بإيقاف الحرب، واستعادة الأمن، وفتح مساحات حقيقية للتعليم والعمل والمشاركة العامة. كما تتطلب دعما نفسيا واقتصاديا للشباب المتأثرين بالنزوح والفقد، وبرامج توعية واقعية لا تكتفي بتخويفهم من البحر، بل تقدم لهم بدائل ممكنة ومسارات آمنة وفرصا تحفظ كرامتهم.
موج المتوسط لا يسأل عن أسماء الغارقين، لكنه يكشف لنا أسماء المسؤوليات المؤجلة: مسؤولية الحرب، ومسؤولية الانقسام، ومسؤولية الصمت، ومسؤولية كل من يرى الشباب يغادرون ولا يسأل لماذا فقدوا الإيمان بأن لهم مكانا آمنا في وطنهم.
فلتكن كل روح فُقدت في البحر تذكرة بأن إنقاذ الشباب السوداني لا يبدأ عند الشاطئ، بل يبدأ من إنقاذ الوطن نفسه.




