مقالات

السودان بين سردية المؤامرة وبناء الوجدان الوطنى … كيف نربح السودان بعد 15 أبريل؟

السودان بين سردية المؤامرة وبناء الوجدان الوطنى … كيف نربح السودان بعد 15 أبريل؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبدالله موسى أحمد – باحث

لم تكن حرب 15 أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية اندلعت بين قوى مسلحة، ثم امتدت آثارها إلى المدن والقرى والطرقات والأسواق. لقد كانت زلزالًا اجتماعيًا ونفسيًا وسياسيًا هزّ صورة السودانيين عن وطنهم وعن الدولتهم وعن عن الى الآخر. فقد خرج الملايين من بيوتهم نازحين أو لاجئين وفقد آخرون أحباءهم ومصادر رزقهم وتحولت أماكن كانت تمنح الناس الأمان إلى ذكريات مثقلة بالخوف والفقد الاحبة.

لكن الخراب الأكبر ليس دائمًا ما تراه العين. فالحرب تركت جرحًا أعمق في الوجدان السوداني جرح الثقة. الثقة بين المواطن والدولة وبين المجتمع ومؤسساته وبين أبناء الوطن الواحد، حتى أصبح السؤال عن الحرب يتجاوز من حمل السلاح؟ إلى سؤال أكثر خطورة كيف وصل السودان إلى هذه الحال؟

وسط هذا الخراب برزت بقوة سردية المؤامرة. من أشعل الحرب؟ من يقف خلف هذا الطرف أو ذاك؟ من يريد تقسيم السودان ونهب موارده وإعادة تشكيل هويته؟ وهي أسئلة مشروعة في بلد تتقاطع حوله مصالح إقليمية ودولية كثيرة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المؤامرة من احتمال يحتاج إلى أدلة وتحقيق إلى تفسير جاهز لكل شيء وإلى وسيلة لإعفاء الذات من المسؤولية.

المؤامرة قد تفسر بعض ما حدث لكنها لا تبني وطنًا، لا يمكن إنكار التدخلات الخارجية أو المصالح الدولية والإقليمية في السودان، لكن اختزال الحرب كلها في الخارج يعني تجاهل الأسباب التي جعلت السودان أصلًا هشًا وقابلًا للاختراق.

فالحرب لم تقع فوق أرض مستقرة. لقد جاءت بعد سنوات طويلة من ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة والسلاح والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية والحروب في الأطراف والتهميش واختلال توزيع السلطة والثروة وتراجع مفهوم المواطنة المتساوية.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق سؤال من تآمر علينا؟ هو لماذا أصبحنا قابلين للتآمر إلى هذا الحد؟ وكيف أصبح السلاح أقوى من السياسة؟ وكيف تحولت الخلافات السياسية إلى خصومات اجتماعية؟ وكيف أصبح الانتماء القبلي أو الجهوي أو الإثني قابلًا للتوظيف في الحرب؟ ولماذا أصبح السوداني أحيانًا ينظر إلى سوداني آخر باعتباره عدوًا قبل أن يراه مواطنًا؟ هذه الأسئلة مؤلمة، لكنها أكثر نفعًا للمستقبل من الاكتفاء بالبحث عن شماعة خارجية.

الحرب أوقفت الحياة لكنها لم توقف التضامن، من المفارقات التي كشفتها الحرب أن السودانيين في أشد لحظات الانهيار أظهروا قدرًا هائلًا من التكافل والمبادرات الأهلية. فتحت الأسر بيوتها للنازحين ونشأت المطابخ الجماعية وغرف الطوارئ والمبادرات الشبابية وتكفلت مجتمعات محلية بأناس لم تكن تعرفهم من قبل. وهنا تظهر صورة أخرى للسودان. سودان لا تحكمه البنادق ولا الخطابات السياسية وإنما تحكمه النجدة والمروءة والمسؤولية الاجتماعية. وهذه الصورة ينبغي ألا تبقى مجرد حكايات عن زمن الحرب، بل يجب أن تتحول إلى أساس لبناء السلام.

فالسلام لا يبدأ دائمًا من القصر الرئاسي أو طاولة المفاوضات. أحيانًا يبدأ من الحي ومن القرية ومن المدرسة ومن السوق ومن الجار الذي يفتح بابه لجاره المختلف.

من سؤال من الجاني؟ إلى سؤال كيف نعيش معًا؟

ولا يعني تجاوز خطاب الكراهية إسقاط العدالة أو نسيان الجرائم. على العكس، لا يمكن بناء سلام مستدام من دون حقيقة ومحاسبة وإنصاف للضحايا. لكن العدالة شيء وتحويل المجتمع كله إلى محكمة دائمة شيء آخر.

إذا ظل كل سوداني يرى في الآخر امتدادًا للعدو، فقد تتوقف البنادق لكن الحرب ستواصل حياتها داخل النفوس. وستنتقل من ساحات القتال إلى المدارس والأسواق ووسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية.

لذلك ينبغي أن ننتقل تدريجيًا من سؤال من مع من؟ إلى سؤال كيف يمكن أن نعيش معًا؟ ومن سؤال من يملك السودان؟ إلى سؤال كيف يصبح السودان وطنًا متساويًا لكل أبنائه؟

وهنا تبدأ الوطنية الحقيقية، لا باعتبارها شعارًا يرفعه طرف في مواجهة طرف وإنما باعتبارها حقوقًا وواجبات ومساواة أمام القانون. الوجدان السوداني الجديد

الحرب، رغم قسوتها كشفت للسودانيين حقيقة ربما كانت غائبة وسط صخب السياسة ان السودان أكبر من الأحزاب والجيوش والقبائل والجهات والأيديولوجيات.

النازح الذي غادر الخرطوم إلى الجزيرة أو القضارف أو كسلا، وجد نفسه في بيت سوداني آخر، يتقاسم معه الطعام والهم والخوف.

واللاجئ الذي عبر الحدود حمل معه وطنًا كاملًا داخل حقيبة صغيرة وصورة واسم شارع وأغنية ولهجة وذكرى بيت ورائحة خبز. وهنا يتكشف المعنى الحقيقي للوطن.

الوطن ليس أرضًا فقط وإنما ذاكرة وانتماء وكرامة وشعور بالاعتراف. ولذلك فإن بناء الوجدان السوداني بعد الحرب يجب ألا يقوم على ثنائية نحن وهم، ولا على احتكار الوطنية، ولا على اعتبار قبيلة أو جهة أو لون أو لغة معيارًا للمواطنة.
فالسودان وطن الجميع ولا يكون وطنًا حقيقيًا لأحد إذا لم يكن وطنًا عادلًا للآخر.

تحرير الوطنية من الاحتكار ومن أخطر ما أفرزته الحرب محاولة كل طرف احتكار الوطنية والحديث باسم السودان كله.

لكن السودان أكبر من أي حزب وأكبر من أي مؤسسة عسكرية وأكبر من أي حركة مسلحة وأكبر من أي قبيلة أو أيديولوجيا.

لا تختصر الوطنية في بندقية تحمل العلم ولا في حزب يرفع شعار الوطن ولا في جماعة تزعم أنها وحدها تمثل الشعب.

الوطن هو المواطن.

وعندما يشعر المواطن بأنه متساوٍ مع غيره في الكرامة والحقوق والواجبات تصبح الوطنية ممارسة يومية لا مجرد خطاب في مواسم السياسة.

فالذاكرة هل نتذكر لكي ننتقم أم لكي نتعلم؟ سيواجه السودان بعد الحرب معركة لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار معركة الذاكرة. لا يمكن أن نطلب من الضحايا أن ينسوا، فالنسيان قد يكون ظلمًا جديدًا. لكن علينا أن نتعلم كيف نتذكر دون أن تتحول الذاكرة إلى وقود لحرب أخرى. نتذكر القتيل لكي نحمي الأحياء لا لكي نقتل باسمه. ونتذكر القرية التي احترقت لكي نمنع تكرار الجريمة لا لكي نحرق قرية أخرى. ونتذكر النازح لكي نحمي حقه لا لكي نصنع نازحًا جديدًا. والذاكرة الوطنية الناضجة ليست التي تمحو الألم وإنما التي تحول الألم إلى معرفة والضحايا إلى مسؤولية والمأساة إلى درس يمنع تكرارها.

الإعلام والتعليم هما معركتان لبناء المستقبل، لم تعد الحرب السودانية تدور في الميدان وحده. فقد أصبحت الهواتف والشاشات منصات للتعبئة والتحريض ونشر الشائعات والمعلومات المضللة، كما أصبحت في المقابل أدوات لتوثيق الانتهاكات والتواصل والتضامن.

وهنا تقع مسؤولية الإعلام والصحفيين والمثقفين والناشطين.

والسودان يحتاج إلى إعلام يقول الحقيقة دون تحريض، يكشف الجريمة دون دعوة إلى الانتقام وينتقد السلطة دون أن يحول النقد إلى كراهية جماعية.

لكن المعركة الأهم تبدأ من المدرسة.
فالطفل الذي عاش الحرب لا يحتاج فقط إلى مقعد دراسي وكتاب، بل يحتاج إلى تعليم يعلمه أن الاختلاف ليس خيانة وأن القبيلة ليست وطنًا بديلًا وأن الدين لا ينبغي أن يتحول إلى سلاح سياسي وأن اللون واللغة والمنطقة لا تحدد قيمة الإنسان. نحتاج إلى كتابة تاريخ السودان باعتباره تاريخًا مشتركًا، لا رواية تنتصر فيها جماعة وتُمحى منها جماعة أخرى.

من سودان المكونات إلى سودان المواطنين، ليس التنوع السوداني مشكلة، بل هو إحدى أعظم ثروات البلاد. المشكلة تبدأ عندما يتحول التنوع إلى وسيلة لتوزيع الحقوق والامتيازات أو إلى جدار يفصل السوداني عن السوداني.

نحن لا نحتاج إلى سوداني جديد يتخلى عن جذوره حتى يصبح وطنيًا. نحتاج إلى سوداني يستطيع أن يحمل هويته الخاصة داخل هوية وطنية جامعة.

السودانية الحقيقية لا تلغي الاختلاف
وإنما تمنحه مكانه الطبيعي داخل وطن واحد. فالعربي والنوبي والبجاوي والدارفوري والكردفاني وأبناء النيل الأزرق وسائر مكونات السودان لا يحتاجون إلى أن يكونوا نسخة واحدة حتى يكونوا شعبًا واحدًا.

عقد وطني جديد، الخروج من دائرة الحرب يتطلب أكثر من اتفاق سياسي بين النخب. السودان يحتاج إلى عقد وطني جديد يشارك فيه المجتمع كله ويقوم على مبادئ واضحة الا هى المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون واحتكار الدولة للسلاح والعدالة والمساءلة والتوزيع العادل للسلطة والثروةوواللامركزية الفاعلة والتعدد الثقافي وحرية الإعلام واحترام دور المرأة والشباب.

هذه ليست رفاهية سياسية، لكنها شروط أساسية لبقاء الدولة.

والهدف لا ينبغي أن يكون إعادة السودان إلى ما كان عليه قبل 15 أبريل. فذلك السودان نفسه كان يحمل أزمات عميقة قادت في النهاية إلى الانفجار.

المطلوب ليس استعادة السودان القديم وإنما بناء السودان الذي لم نستطع بناءه من قبل. سودان لا يحتاج فيه المواطن إلى قبيلة تحميه ولا إلى سلاح يسمع صوته ولا إلى حزب أو واسطة تمنحه حقوقه.

الخروج من أسر المؤامرة، ليس المطلوب أن نتوقف عن البحث عن التدخلات الخارجية أو المصالح التي ساهمت في الحرب. المطلوب فقط ألا نجعلها التفسير الوحيد لكل شيء.

فالشعب الذي يفسر كل أزماته بالمؤامرة قد يفقد القدرة على نقد نفسه ومن يفقد القدرة على نقد نفسه يفقد القدرة على التعلم ومن لا يتعلم من أخطائه يعيد إنتاجها.
لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط من تآمر على السودان؟ لكن كيف سمحنا للسودان بأن يصبح قابلًا للتآمر؟، أين فشلنا؟ وكيف أصبح السلاح لغة السياسة؟
وكيف تحولت الاختلافات إلى كراهية؟
ولماذا سمحنا للانتماءات الضيقة بأن تتقدم على الانتماء الوطني؟ قد تكون هذه الأسئلة أكثر إيلامًا لكنها أيضًا أكثر ضرورة.

فى الخاتمة كيف نربح السودان؟، لقد أتعبتنا الحرب وأتعبتنا معها الروايات المتصارعة والاتهامات والتخوين والبحث الدائم عن عدو نعلّق عليه كل مآسينا.

لكن السودان لن يستطيع أن يبني مستقبله إذا ظل محتاجًا إلى عدو دائم حتى يتوحد.

نحن بحاجة إلى وطن يتوحد بالحقوق لا بالكراهية وبالعدالة لا بالانتقام وبالمواطنة لا بالاصطفاف وبالحقيقة لا بالدعاية.

إن الوجدان السوداني الجديد الذي نحتاج إلى بنائه بعد 15 أبريل ليس وجدانًا ينسى جراح الحرب وإنما وجدان يحول الجراح إلى معرفة والذاكرة إلى درس والألم إلى مسؤولية والتنوع إلى قوة والاختلاف إلى ثراء.

فالسودان لن ينهض عندما ينتصر طرف على طرف ولن يستقر عندما تهزم جماعة جماعة أخرى. سينهض السودان عندما ينتصر السوداني على الفكرة التي جعلته يرى أخاه عدوًا.
وعندها فقط نستطيع أن نغادر السؤال الذي أرهقنا طويلًا من ربح الحرب؟
إلى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا
كيف نربح السودان؟ فهذه هي المعركة الحقيقية التي تبدأ عندما تصمت البنادق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى