وطني شجني… حين تصبح اللغة وطناً للنازحين واللاجئيين
وطني شجني… حين تصبح اللغة وطناً للنازحين واللاجئيين
مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م.عبدالله موسى احمد – باحث
وطني شجني
لغتي سكني
روح الحرف من غير سكون
فيك ولدتُ
فيك نشأتُ
وفيك أكون
ليست هذه الأبيات مجرد كلمات جميلة تُقال في لحظة حنين وإنما تختصر علاقة الإنسان بوطنه في أعمق صورها، وطنٌ يسكن القلب قبل أن يسكن الجغرافيا ولغةٌ تصبح بيتاً حين تضيق البيوت وذاكرةٌ تظل حية حتى عندما تتبعثر المدن والقرى والطرقات.
في عبارة وطني شجني يتداخل الوطن بالحزن فالوطن ليس تراباً وحدوداً وخريطة فقط لكن هو الأم والأب، الحوش، الحلة، النيل، شجرة النيم، صوت المؤذن، ضحكة الجيران، رائحة القهوة، أغنيات الأمهات، وذاكرة الطفولة التي لا يستطيع أحد انتزاعها من القلب.
ثم تأتي العبارة الأكثر دفئاً لغتي سكني.
وهنا تبلغ الأبيات جوهرها. فالإنسان قد يفقد بيته، لكنه لا يفقد لغته. قد يغادر مدينته، لكن مدينته تظل تسكن كلماته. قد يُجبر على عبور الحدود، لكن صوته يحمل معه وطنه أينما ذهب.
وهذا بالضبط ما حدث للسودانيين منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل.
لقد خرج ملايين السودانيين من بيوتهم لا لأنهم أرادوا الهجرة ولا لأنهم بحثوا عن حياة أفضل في مكان آخر وإنما لأن الحرب دفعتهم دفعاً إلى الطريق. تركوا الخرطوم ومدن دارفور وكردفان والجزيرة وغيرها وتحولوا إلى نازحين داخل وطنهم، ولاجئين خارجه.
خرج بعضهم من البيت وفي يده حقيبة صغيرة وبعضهم لم يجد حتى الحقيبة. تركوا خلفهم أثاثاً وذكريات وصوراً ووثائق ومزارع ومتاجر ومكاتب ومدارس والأصعب من ذلك كله أنهم تركوا قبور أحبائهم وبيوت طفولتهم، تلك الأشياء التي لا تُشترى بالمال ولا تُستعاد بسهولة.
لكن شيئاً واحداً ظل معهم اللغة.
خرج السوداني من وطنه، لكنه لم يخرج من لغته.
ظل يقول يا زول، يا أخوي، يا أمي، الله كريم، ربنا يصلح الحال، إن شاء الله راجعين. كلمات بسيطة، لكنها في زمن النزوح أصبحت أشبه بقطع صغيرة من الوطن يحملها الإنسان في جيبه.
في مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وغيرها من البلدان التي استقبلت السودانيين وفي المدن والولايات السودانية التي امتلأت بالنازحين، لم تعد كلمة الوطن تعني مكاناً واحداً فقط. أصبح الوطن ذاكرة متنقلة.
السوداني الذي يسكن خيمة في معسكر نزوح قد يستيقظ صباحاً على حلم ببيته القديم. والمرأة التي غادرت قريتها تحمل في قلبها تفاصيل الطريق إلى النهر ومكان شجرة الليمون وحوش الأسرة. والطفل الذي ولد في المنفى قد لا يعرف السودان كما عرفه أبوه، لكنه يتعلم اسمه من حكايات الأسرة ومن لهجة أمه ومن الأغنيات التي يسمعها في المساء.
وهنا تتجلى قوة الشعر.
فالشعر لا يوقف الحرب، لكنه يمنع الحرب من أن تقتل الذاكرة. ولا يستطيع الشعر أن يعيد البيت إلى صاحبه، لكنه يستطيع أن يحفظ صورة البيت في القلب.
ولا يفتح الشعر الحدود المغلقة، لكنه يفتح نافذة داخل الروح تقول للإنسان ما زال لك وطن.
إن عبارة فيك ولدت، فيك نشأت، وفيك أكون تحمل مفارقة مؤلمة في زماننا. فقد وُلد كثير من السودانيين في وطن لم يعد آمناً ونشأوا في وطن تمزقه الحرب ثم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى البحث عن مكان آخر ليعيشوا فيه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل يمكن أن يصبح الإنسان لاجئاً في الأرض، لكنه يظل مواطناً في الذاكرة؟ نعم.
فالوطن الحقيقي لا تحمله الجوازات وحدها ولا تحدده نقاط العبور. الوطن يسكن في اللغة والذاكرة والانتماء. ولهذا يستطيع السوداني أن يكون بعيداً عن السودان آلاف الكيلومترات، لكنه حين يسمع أغنية سودانية أو يسمع لهجته في سوق غريب أو يشم رائحة طعام أعدته امرأة سودانية، يشعر فجأة أن قطعة من الوطن عادت إليه. لقد نزحت أجساد السودانيين، لكنأرواحهم لم تنزح.
وهذه هي المفارقة الكبرى التي يجب أن نفهمها في مأساة الحرب أن الخراب لم يكن في البيوت وحدها، بل في معنى الأمان نفسه. ومع ذلك، بقي الإنسان السوداني يقاوم بطريقته الخاصة. بالصبر وبالتكافل وبالحكاية وبالأغنيةووباللغة.
ولذلك فإن لغتي سكني ليست عبارة شعرية فحسب، بل يمكن أن تكون عنواناً لمرحلة كاملة من تاريخ السودان.
فحين تهدم الحرب الجدران، تصبح اللغة جداراً أخيراً.
وحين تتسع المسافات، تصبح الذاكرة جسراً.
وحين تضيع المدن، يصبح الاسم نفسه وطناً.
لقد أخذت الحرب من السودانيين أشياء كثيرة، لكنها لم تستطع أن تأخذ السودان من داخلهم. ما زال السودان حاضراً في لهجتهم، وفي أسماء أبنائهم وفي أغنياتهم وفي حكايات الجدات وفي دعوات الأمهات وفي ذلك الحنين الذي يختصره السوداني بكلمة واحدة البلد.
ومن هنا، فإن العودة إلى الوطن ليست مجرد عودة إلى الجغرافيا لكن عودة إلى معنى الوطن نفسه إلى وطن يستطيع أبناؤه أن يولدوا فيه وينشأوا فيه ويختلفوا فيه دون أن يقتل بعضهم بعضاً ويعيشوا فيه بكرامة وأمان.
فالبيت يمكن أن يُبنى من جديد والشارع يمكن أن يُعبد والمدرسة يمكن أن تُرمم والمصنع يمكن أن يعود إلى العمل، لكن بناء الإنسان وإعادة الثقة بين السودانيين تحتاج إلى ما هو أكبر من الأسمنت والحديد. تحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية وعدالة وسلام ودولة تحمي الجميع وتعيد للوطن معناه الذي كاد يضيع وسط دخان الحرب.
وفي النهاية ربما تكون أبلغ قراءة لهذه الأبيات أن نقول: وطني شجني، لأننا فقدنا وطناً كان يسكننا.
ولغتي سكني، لأننا حين فقدنا البيوت حملنا الوطن في الكلام.
وفيك ولدت، لأن السودان هو بداية الحكاية.
وفيك نشأت، لأن الذاكرة لا تعرف الحدود.
وفيك أكون، لأننا مهما ابتعدنا، يظل السودان هو الوطن الذي نبحث عن طريق العودة إليه.
قد تُبعدنا الحرب عن السودان وقد تفرقنا المنافي والحدود وقد تتباعد المدن والقرى لكن الوطن الذي يسكن القلب لا تستطيع الحرب أن تحتله.
فالنازح قد يفقد بيته واللاجئ قد يفقد أرضه، لكن ما دام يحمل لغته وذاكرته وحنينه فإن الوطن لم يمت إنه فقط ينتظر يوم أن يعود إليه أبناؤه لا ليجدوا السودان الذي تركوه بل ليبنوا السودان الذي يستحقون أن يعيشوا فيه.




