مقالات

استراحة الجمعة : غناء رمال شمال كردفان ذاكرة السودان الموسيقية

استراحة الجمعة : غناء رمال شمال كردفان ذاكرة السودان الموسيقية،،، حفظ تراث شمال كردفان ليس وفاءً للماضي فقط، إنه دفاع عن المستقبل.

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث

إنها قصيدة طويلة كتبتها الرمال ولحنها الرعاة وغنتها النساء وحملها الشعراء إلى المدن ثم حملها الفنانون إلى الإذاعة، فسمعها السودان كله.

هكذا يمكن أن نقرأ شمال كردفان لا باعتبارها رقعة جغرافية فحسب وإنما باعتبارها واحدة من الصفحات المضيئة في كتاب الثقافة السودانية. هناك، بين الرمال والرهود وبين البادية والمدينة، نشأت ألوان من الغناء والإيقاع والشعر وتحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى موسيقى تحفظ ذاكرة الناس وتمنح المكان صوته الخاص.


وحديث عن الأبيض وبارا وأم روابة وعن الامتداد الثقافي الكردفاني الذي يصل إلى النهود وغيرها، فإننا لا نتحدث عن مدن متجاورة على خريطة، بل عن فضاء ثقافي واسع تشابكت فيه طرق التجارة والهجرة والرعي وتداخلت فيه القبائل والمجموعات الاجتماعية وتبادلت الألحان والأشعار والحكايات.

الإيقاع الذي خرج من الحياة، في كردفان لم يكن الإيقاع شيئاً منفصلاً عن الحياة. كان جزءاً منها. كان الإنسان يسمع حركة الإبل في الطريق وخطوات الماشية في المرعى وأصوات النساء في الأفراح وضجيج الأسواق ونزول المطر على الأرض العطشى، ثم يعيد صياغة كل ذلك في نغم وإيقاع. ومن هنا جاءت خصوصية الموسيقى الكردفانية.

فالجراري، بما يحمله من إيقاع متصل ببيئة الإبل والبادية، يبدو كأنه يمشي على مهل في فضاء مفتوح. والدلوكة تحمل صوت الجماعة والفرح، بينما يفتح الطنبور باباً آخر للحكاية والحنين. أما الكرير والهسيس وغيرهما من الأشكال الإيقاعية، فهي شواهد على تنوع البيئة الاجتماعية والثقافية.

وفي فضاء كردفان الأوسع، خصوصاً في مناطق الغرب والجنوب، نجد المردوم وغيره من الإيقاعات التي ارتبطت ببيئات الرعاة والحركة الجماعية وأصبحت جزءاً مهماً من المشهد الموسيقي السوداني.

وهنا تكمن عبقرية التراث الشعبي فية الإنسان لم يكن يقلد الطبيعة وإنما كان يحولها إلى فن.

فالجمل أصبح إيقاعاً والمطر صورة شعرية والرهيد رمزاً للحياة والتبلدي شاهداً على الزمن والطريق حكاية والبادية مسرحاً مفتوحاً للأغنية.

الأبيض مدينة عروس الرمال حين تفتح أبوابها للفن، في قلب هذا المشهد تقف الأبيض، عروس الرمال واحدة من أهم المدن التي احتضنت الثقافة والفنون في غرب السودان. لم تكن الأبيض سوقاً تجارياً ومحطة للقوافل فحسب، بل كانت مدينة للصحافة والمنتديات والأدب والموسيقى والمسرح.

اجتمع فيها الشعراء وتجاور فيها الفنانون والمثقفون وانتقلت إليها ألوان من الغناء من مختلف أنحاء كردفان، ثم أعادت المدينة تقديمها في صورة جديدة.

وفي أجواء الأبيض وجد غناء الحقيبة جمهوراً واسعاً ونشطت مجالس الأدب والغناء وبرزت محاولات لتنظيم هذا التراث والمحافظة عليه.

وهنا تظهر قيمة المدينة الثقافية فهي لا تكتفي باستقبال التراث وإنما تعيد إنتاجه.

كان الشاعر يأتي بالكلمة والفنان بالصوت والعازف باللحن والجمهور بالذائقة. ومن هذا التفاعل يولد الفن الذي يعيش.

ولذلك لا يمكن كتابة تاريخ الأغنية السودانية الحديثة من دون التوقف عند الأبيض بوصفها واحدة من المدن التي ساهمت في صناعة الذائقة الفنية السودانية.

شعراء جعلوا المكان أغنية، لم تكن كردفان أرض الإيقاع وحده، كانت أيضاً أرض الشعر.

ومن أبنائها شعراء تركوا بصمتهم في الأغنية السودانية وفي مقدمتهم الشاعر محمد عوض الكريم القرشي، ابن الأبيض الذي ارتبط اسمه بتاريخ الشعر الغنائي السوداني. كما ارتبط اسم محمد علي عبد الله الأمي بالأبيض خلال إحدى مراحل حياته وهو من كبار شعراء الحقيبة الذين أسهموا في ترسيخ مكانة الكلمة الشعرية في الأغنية السودانية. ثم يأتي عثمان خالد من بارا، أحد الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بالأغنية السودانية الحديثة وقدم نصوصاً غنائية ظلت حاضرة في الذاكرة.


هؤلاء الشعراء لم يكونوا يكتبون عن المكان بوصفه خلفية جامدة، كانوا يجعلونه جزءاً من القصيدة. فالمكان عند الشاعر ليس شارعاً أو بيتاً أو نخلة، بل ذاكرة ومشاعر وحنين.
ولهذا تبدو كردفان في الشعر السوداني أحياناً مثل امرأة، وأحياناً مثل طريق طويل، وأحياناً مثل وطن صغير يختبئ في القلب.

بارا مدينة يمشي الشعر في طرقاتها، في بارا تتجسد علاقة الإنسان بالمكان بصورة مختلفة. مدينة الرمال والآبار والحدائق القديمة، مدينة لها حضور خاص في المخيلة السودانية، خرج منها الشاعر والفنان، وتحولت تفاصيلها إلى مادة للغناء والحنين. ومن بارا جاء الفنان عبد الرحمن عبد الله، ود بارا، الذي أصبح واحداً من أهم الأصوات التي حملت روح الأغنية الكردفانية إلى جمهور السودان. لم يكن ود بارا مجرد مغنٍّ يؤدي أغنيات كردفانية، كان صوتاً لبيئة كاملة.

في صوته شيء من اتساع الصحراء، وشيء من حزن المسافر، وشيء من كبرياء الإنسان الذي يعرف أرضه ويعتز بها. وهنا تتكامل الصورة بين الشاعر والفنان عثمان خالد يكتب وود بارا يغني وبارا تمنحهما المكان والذاكرة.

أم روابة فيها اصبح الطنبور ذاكرة،أما أم روابة فهي صفحة أخرى من صفحات الإبداع الكردفاني. ارتبطت المدينة ومحيطها بألوان من الغناء الشعبي والإيقاعات والطنبور والدلوكة والسيرة، وتحولت بعض الأغنيات ذات الجذور المحلية إلى أعمال يعرفها السودانيون في مناطق مختلفة. ومن النماذج البارزة أغنية ما دوامة، التي ارتبطت بتراث المنطقة، ثم أعاد الفنان إبراهيم موسى أبّا تقديمها في قالب فني أوسع.
وهنا لا تعود الآلة الموسيقية مجرد أداة.
الطنبور يصبح طريقة للحكي. كل ضربة على أوتاره تستدعي شيئاً او راعياً في الطريق، مسافراً يحن إلى أهله، فتاة تنتظر عودة حبيب، سوقاً مزدحماً أو ليلة فرح اجتمعت فيها القرية حول الأغنية.

إنها موسيقى لا تحتاج إلى شرح طويل، يكفي أن تسمعها حتى تتعرف إلى روح المكان.

إبراهيم موسى أبّا عندما خرج صوت كردفان إلى السودان، يظل إبراهيم موسى أبّا من أبرز الأسماء التي أسهمت في نقل الأغنية الكردفانية من محيطها المحلي إلى فضاء السودان الأوسع. كان يدرك أن التراث ليس شيئاً ينبغي تجميده، وأن احترام الماضي لا يعني رفض التطور.

لذلك تعامل مع الألحان والإيقاعات الشعبية باعتبارها مادة قابلة للتجديد وأدخلها إلى قوالب موسيقية حديثة، من دون أن يفقدها روحها.

وهذه هي مهمة الفنان الحقيقي ان ألا يقطع الصلة بين القديم والجديد وإنما يبني جسراً بينهما. ومن خلال تجربته وتجارب فنانين آخرين أصبحت كردفان حاضرة في الإذاعة السودانية ووصلت أغنياتها إلى مدن بعيدة عن الرمال التي ولدت فيها. لقد جعل أبّا السودان يسمع كردفان.

من الحقيبة إلى الأغنية الحديثة، قد تبدو الحقيبة، للوهلة الأولى، بعيدة عن البادية الكردفانية، لكن تاريخ الموسيقى السودانية أكثر تعقيداً من هذه الحدود.

فالأغنية السودانية الحديثة لم تولد في مكان واحد. إنها نتاج تفاعل طويل بين المدينة والريف، وبين الوسط والهامش، وبين الإيقاعات الشعبية والألحان الحديثة وبين الشعراء الذين كتبوا في أم درمان والخرطوم، والذين حملوا معهم أصوات مناطقهم وذكرياتها. ومن هنا يمكن فهم إسهام كردفان في تكوين الوجدان الغنائي السوداني.


فالإيقاع الكردفاني لم يبق محصوراً في بيئته، كما أن الأغنية الحضرية لم تبق أسيرة المدن. كان هناك أخذ وعطاء مستمر. وهذا التفاعل هو الذي جعل الموسيقى السودانية غنية بهذا التنوع الذي يميزها عن كثير من التجارب الموسيقية في المنطقة.

الفنانون هم سفراء الرمال ،ذكر كردفان لا ينبغي أن نتذكر الشعراء وحدهم. هناك قائمة طويلة من الفنانين والموسيقيين والعازفين الذين حملوا صوت المنطقة وأسهموا في تأسيس حركة فنية تجاوزت حدود المكان. وكانت فرقة فنون كردفان ومعهد كردفان للموسيقى من التجارب المهمة في تحويل الموهبة الفردية إلى مشروع فني منظم. فالموهبة تحتاج إلى بيئة والبيئة تحتاج إلى مؤسسة والمؤسسة تحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً. وبتوفرت هذه العناصر في الأبيض، ظهرت أجيال من الفنانين الذين جعلوا من المدينة مركزاً موسيقياً وثقافياً مهماً.

ومن هنا ينبغي ألا ننظر إلى تاريخ تلك المؤسسات باعتباره مجرد حكاية من الماضي، بل باعتباره درساً للمستقبل.

الثقافة ليست ترفاً، لقد أثبت تاريخ كردفان أن الثقافة يمكن أن تصنع ما لا تستطيع السياسة أن تصنعه. الأغنية تجمع الناس.
والشعر يفتح أبواب الحوار.

والموسيقى تعبر الحدود الاجتماعية. والفنان يستطيع أن يصل إلى قلب الإنسان من دون خطاب طويل. ولهذا فإن الثقافة ليست ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الأزمات. بل هي إحدى أدوات الخروج من الأزمة نفسها.

وفي السودان الذي مزقته الحرب، تصبح هذه الحقيقة أكثر أهمية. فالحرب لا تدمر المباني وحدها، إنها تهدد الذاكرة أيضاً.

عندما تضيع التسجيلات القديمة وتغلق المسارح وتتشتت الفرق الموسيقية
ويهاجر الفنانون وتتوقف المدارس والمعاهد، فإن المجتمع يفقد جزءاً من ذاكرته من دون أن يشعر. أن ننقذ الذاكرة قبل أن تضيع. لهذا فإن حماية تراث شمال كردفان ينبغي أن تصبح مشروعاً وطنياً.

نحتاج إلى أرشيف رقمي يجمع الأغنيات القديمة والتسجيلات النادرة. نحتاج إلى توثيق روايات كبار الفنانين والشعراء والعازفين قبل أن ترحل أجيالهم. نحتاج إلى تسجيل الإيقاعات الشعبية كما تؤدى في بيئاتها الأصلية. نحتاج إلى توثيق الآلات الموسيقية وأسمائها وطرق صناعتها واستخدامها. ونحتاج إلى إعادة الحياة إلى معاهد الموسيقى والمنتديات الثقافية والمسارح.
والأهم من ذلك أن نعيد الثقافة إلى المدرسة. فالطفل الذي يتعلم أغنية من تراث قريته لا يتعلم لحناً فقط، إنه يتعلم أن لهذا المكان تاريخاً ولهذا المجتمع ذاكرة ولهذا الوطن جذوراً.

فى كردفان يجب ان يكون الإنسان قبل المكان، عندما نتأمل هذه المسيرة الطويلة، نكتشف أن أعظم ثروة في شمال كردفان ليست الرمال ولا الأسواق ولا الماشية وحدها. إنها الإنسان. ذلك الإنسان الذي استطاع في بيئة قاسية أن يصنع الجمال.

الذي حوّل العطش إلى شعر والطريق إلى أغنية والغربة إلى حنين والفرح إلى إيقاع.
ذلك هو سر كردفان.

فالثقافة لا تزدهر دائماً في البيئات السهلة. أحياناً تولد أعظم الأغنيات من الأماكن التي تبدو للعين أقل قدرة على إنتاج الفن.
وربما لهذا تحديداً تبدو أغنية كردفان صادقة، لأنها خرجت من تجربة الحياة نفسها.

عندما تغني الرمال، شمال كردفان ليست مجرد ولاية في خارطة السودان. إنها قصيدة طويلة كتبتها الرمال ولحنها الرعاة وغنتها النساء وحملها الشعراء إلى المدن، ثم حملها الفنانون إلى الإذاعة، فسمعها السودان كله.

في الأبيض اجتمع الشعراء، وفي بارا ولد الشعر والغناء، وفي أم روابة حفظ الطنبور ذاكرة المكان، وعلى امتداد كردفان تحرك الجراري والدلوكة والكرير والهسيس، وفي فضاء كردفان الأوسع ولد المردوم وغيره من الإيقاعات التي جعلت الموسيقى السودانية أكثر ثراءً واتساعاً.

وعندما نستمع اليوم إلى أغنية كردفانية قديمة، فإننا لا نسمع صوت فنان وحده.

نسمع وقع أقدام أناس عاشوا قبلنا، ونسمع حنين المسافر وضحكة العروس وصوت البادية، وخرير الرهيد، ووقع المطر على الأرض العطشى ونسمع السودان وهو يروي نفسه بنفسه.

لهذا فإن حفظ تراث شمال كردفان ليس وفاءً للماضي فقط، إنه دفاع عن المستقبل.
فالأمم التي تحفظ أغانيها، تحفظ ذاكرتها.
والأمم التي تحفظ ذاكرتها، تعرف من أين جاءت. وإلى أين ينبغي أن تمضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى