غير مصنفمقالات

ايوب ماجنق يكتب : حين يعود النيل

حين يعود النيل


بقلم الكاتب/ ايوب محمد عبد الرحمن


كان آدم يقف كل صباح أمام باب البيت الطيني في أطراف مدينة أم درمان، ينظر إلى الشارع الذي تغيّر كثيرًا خلال عامين. لم يعد يسمع أصوات الأطفال وهم يذهبون إلى المدرسة، ولا بائع الشاي الذي كان يملأ المكان بالضحك والأغاني القديمة. صار الشارع هادئًا أكثر مما ينبغي، كأن المدينة نفسها تخاف من الكلام.


قبل الحرب، كان آدم يعمل مدرسًا للتاريخ في مدرسة ثانوية. كان يحب أن يحكي لتلاميذه عن ممالك السودان القديمة، وعن النيل الذي جمع الناس من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. وكان دائمًا يقول لهم:
“السودان ليس مجرد أرض، السودان حكايات ناسه.”
لكن الحرب جعلت الحكايات أثقل.
في ذلك الصباح، عاد آدم إلى داخل المنزل فوجد زوجته مريم تعد ما تبقى من الدقيق. كانت تحاول أن تخبز أرغفة صغيرة تكفيهم ليوم واحد. جلس ابنهما الصغير، سامر، في الركن وهو يحمل كراسة قديمة.


قال سامر:
“أبي، متى أرجع المدرسة؟”
توقف آدم لحظة. كان يعرف أن السؤال بسيط، لكن الإجابة أصعب من كل دروس التاريخ التي حفظها.
قال له وهو يحاول الابتسام:
“قريبًا يا سامر، عندما تهدأ الأمور.”
لم يكن متأكدًا من ذلك، لكنه كان يخاف أن يسرق اليأس من ابنه آخر ما يملكه من أحلام.
في الحي، كانت الأسر تتقاسم الطعام والماء والقلق. أم حسن، جارتهم المسنة، فقدت ابنها في الأيام الأولى للحرب ولم تعرف هل هو حي أم ميت. كانت تجلس أمام بيتها كل مساء، تحمل هاتفًا قديمًا وتنتظر اتصالًا لا يأتي.
أما يوسف، صديق آدم، فقد كان يعمل في متجر صغير وسط السوق. أُحرق متجره، ثم غادر إلى ولاية أخرى بحثًا عن الأمان. قبل سفره قال لآدم:
“نحن لا نطلب رفاهية، فقط نريد أن نعيش بلا خوف.”
تعلقت العبارة في ذهن آدم. كان يفكر فيها كلما سمع صوت إطلاق نار بعيد، أو رأى عائلة تحمل حقائبها وتغادر الحي، أو شاهد أطفالًا يقفون في صف طويل للحصول على الماء.
ذات مساء، وصل إلى الحي فريق من المتطوعين الشباب. كانوا يحملون أكياسًا صغيرة من الغذاء وبعض الأدوية، وينظمون جلسة للأطفال في ساحة المسجد. لم تكن لديهم إمكانات كبيرة، لكنهم كانوا يملكون شيئًا نادرًا: الإصرار.
اقتربت منهم مريم وسألت فتاة شابة اسمها هدى:
“من أين تأتون بكل هذه القوة؟”
ابتسمت هدى وقالت:
“من الناس. لو كل زول قال الحرب ما شأني، منو بحاول يحفظ حياة الآخرين؟”
تأثر آدم بكلامها. في اليوم التالي، عرض أن يساعدهم في تنظيم دروس مؤقتة للأطفال. جمعوا سبورة مكسورة، وبعض الدفاتر المستعملة، وفرشوا الحصير تحت شجرة كبيرة. كان الأطفال يأتون بخجل في البداية، ثم صاروا يتسابقون إلى المكان.
كتب آدم على السبورة:
“الأمل ليس انتظارًا، الأمل عمل.”
قرأ سامر الجملة بصوت عالٍ، ثم رفع يده وقال:
“يعني نحن ممكن نغير السودان؟”
نظر آدم إلى الأطفال. رأى في عيونهم خوفًا، لكنه رأى أيضًا رغبة حقيقية في الحياة. شعر أن السودان، رغم الجراح، لم ينتهِ.


قال:
“نعم، نستطيع. السودان يتغير عندما نحمي بعضنا، ونتعلم، ونرفض الكراهية، ونؤمن أن الدم السوداني واحد.”
مرت الأيام ببطء. ظل الخوف موجودًا، وظل كثير من الناس ينتظرون خبرًا عن أحبائهم أو طريقًا آمنًا للرحيل. لكن تحت الشجرة، كانت هناك مدرسة صغيرة تولد كل صباح. وفي بيوت الحي، كانت النساء يتقاسمن الطعام، والشباب يساعدون كبار السن، والأطفال يرسمون في دفاترهم بيوتًا ومدارس وحدائق.
في إحدى الرسومات، رسم سامر نهرًا كبيرًا، وعلى ضفتيه بيوت كثيرة وأشخاص يمسكون بأيدي بعضهم. كتب أسفلها:
“السودان يرجع جميل.”
نظر آدم إلى الرسم طويلًا، وشعر أن دموعه تقترب. لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع رجل تذكّر أن الوطن، مهما تألم، لا يعيش بالحرب وحدها.


وفي تلك الليلة، جلس قرب الباب ونظر إلى السماء. كانت هادئة، والنجوم واضحة فوق المدينة المتعبة. قال لنفسه:
“سيعود الناس إلى بيوتهم. ستفتح المدارس أبوابها. وستعود الأسواق إلى ضجيجها. ربما لا يكون الطريق سهلًا، لكن النيل لا يتوقف عن الجريان.”
ومن بعيد، سمع ضحكة سامر وهو يراجع حروفه مع أمه.
عندها عرف آدم أن السودان ما زال حيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى